بل إن مسرح الطبيعة والكون برمته لا يؤدي لعين النورسي ذلك الدور الصدى للأهواء النفسية الذي ألفيناه يؤديه في وجدانيات الرومانسيين، كلا، ولا هو شاشة تتحرك من ورائها عرائس مشدودة بخيوط النفس والنزعات الكبيتة .
الطبيعة في منظار النورسي ومخياله لوح تستقرئ الروح من سطوره الإيمان، وكتاب متسلسل تستبين فيه النفس الآيات البينات، فهي ليست مُحاوِرا أخرس لا يتيح لك إلا أن تنفث لواعج أحلام كسيرة تخفف ما بك من أسى وليس غير ذلك، ولا هي منديل يكفكف دموع العواطف الجياشة في أعماقك وغير المحددة في هَمٍّ بعينه إلا هَمِّ الضغف والقصور والقنوط من وجود فاجع بلا آدميته وببهيميته لأنه لم يجد إلى تجاوزها سبيلا ..
الطبيعة عند النورسي مجال لليقظة والقوة وجبر كسور النفس وتمزقات الروح واستلهام العظة البليغة واستمداد الاعتبار الفاصل..
إنها ليست حائط مبكى نستجيش عنده مشاعر الإلتياث بتذراف دموع النفس النواحة..
فالطبيعة هي مجلى أسماء الله الحسنى، وصعيد الإنسياح في أعالي بحارها لا يكون بتاتا على موعد مع الخيبة والنكبات..
فالنفس لن تقهرها الزوابع ما كان الإيمان هو ملاحها الماهر واليقين هو ربانها المغوار..
لقد طفقت الطبيعة تتلون وتشكل على أصعدة ومستويات مختلفة تحت بصر وسمع وذوق وشم النورسي. بحيث رأينا السموات السبع والأرضين بمجراتها تَتَحوَّزُ تحت منظاره التأملي، فلا تضحى إلا مجسما بسيطا في متناول اليد تقلبه كيف تشاء وتتحسس مطاويه على نحو ملموس.