من هنا لا يمكننا التحدث عن خصوصية رومانسية تميز نفسية النورسي، بل الأصوب أن نتحدث عن روحانية قرآنية لها مكوناتها الخيالية والذوقية والاستيعابية والتمثلية المميزة لها والتي يمكن للمتحسس أن يقف عنها، حيثما وجه بصره في عالم الرسائل.
الخيال وقدرة التمثل ولقط المناظر عند النُوْرْسي
النورسي رسام وأديب ما في ذلك ريب، له مخيلة مجسمة عجيبة، فعين مخيلته - أو عدسة التفكر(1) كما يسميها هو - تمتلك آلية اللقط على كل الأبعاد، أشبه بعين الكاميرا، لها القدرة على أخذ الصورة في كل أصناف المشاهد (TOUS LES CATEGORIES DES PLANS SCENIQUES ) .
فعين خياله تستجلي مشاهدها من زوايا نظر مختلفة، لكنها جميعا تبهر، إذ هي مشاهد تستثمر عامل الإضاءة في تحديد مجال الرؤية .. فالدلالة منوطة بمجال الرؤية الذي تحدده العين، ولا يعدو الأمر في ذلك حيلا أو تلفيقات اصطناعية تخدع المشاهد كما هو حال التشخيص في السينما، بل إنها البصيرة تشد عينيك إلى الخطوط التي تجعل المعطى الرؤيوي ماثلا أمامك بثبات لا تستطيع غير مخيلة النورسي أن تستبينه وتطرحه أمامك على ذلك النحو.
ومما لا شك فيه أن مهارة الإظهار والكشف تلك مردها الصقل القرآني البليغ الذي طبع مواجد النورسي ورهف مشهوديته.. فالعرض القرآني قد تأسس على هذه القدرة الخارقة التي تلفتك إلى الكون المألوف من حولك، فتستظهر تفاصيله المعهودة والتي لا تفتأ العين تراها في كل حين، لكن التسديد القرآني الإشهاري لتك التفاصيل المعهودة يخرجها الإخراج الفذ ويؤطرها التأطير التصويري المبهر، الأمر الذي يعطي للمشاهد القرآنية سيميائيتها الكشفية الخاصة.
فالجبل ليس كونا شاخصا من الحجارة والنبات، ولا هو كينونة من الطبيعة المبهمة الماثلة في موات، ولكنه شرط وجودي له دلالته ودوره ووظيفته التي تستجليها الروح المتبصرة وتستبينها العين المتأملة ..
(1) انظر سيرة ذاتية ص.300