فمنطلقه ليس نوازع نفسية ديدنها الانطلاق الطليق والشدو المتحرر من الضوابط، والشغف بمظاهر الجمال من منظور ذاتي وبذوق شخصي قد لا يحقق المشاركة ولا الإجماع، بل قد يكون من الشذوذ أحيانا بمكان، وما ذلك إلا لأن للنفس الرومانسية قوانينيها الذاتية ورؤيتها الفردية .. قوانين ورؤية لا تنظمها مسطرة قارة ولا يحوزها نطاق محدد أو ثبات وطيد، إذ شأنها شأن النفس في دوام تغير أحوالها تبعا لتغير الشروط من حولها ومن داخلها..
أجل إن النورسي قد جبل على الحرية والتغني بها وعلى تشرب الجمال وعلى الحركة والسياحة والتجدد والتجديد، وعلى تحسس آلام النفس ومواساتها. وعلى تخطي التواضعات وخرق الأعراف .. كل ذلك كان يقع له، لكن وقوعه كان مؤسسا على:
1- روح حرة ليس من طبعها أن تتدجن أو تتكيف مع ما لا يتناغم مع محدداتها الروحية والنزوعية المتسامية.
2- اشتحان روحي قرآني استوعبته الأعماق وانصقلت به الملكات، ليس فقط بالاكتساب والتحصيل، ولكن بالاستعداد والقابلية وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هذا الاستعداد هو الذي جعل القدر اليسير من المكاسب التحصيلية يتخصب ويزدهر على نحو يبهر غزارة واستواء.
3- دافعية قرآنية تَحَدَّدَ بها الطريق التنويري كقدر لا مناص من مناجزته ومسؤولية لا محيص عن أدائها والمضي بها على صعيد الدعوة إلى الله، مع تحمل كل التبعات الشاقة التي ابتلي بها أهل الله. إذ أن ذلك الطريق كان طريق المرسلين، والعلماء هم خلفاء المرسلين.
4- شروط موضوعية انكسارية ارتدادية تغربية امتحنت بها الأمة، فكان النورسي على رأس من يتصدى للإنقاذ.
هذه المحددات الذاتية والموضوعية هي التي فارقت بين روحية النورسي وطبيعته القدسية، وبين روحية وطبيعة الرومانسيين القائمة على مجرد النزوع الوجداني وما رسب في النفس من علل الرفض وحب التهويم والاستشراف اليوطوبي.