غادر النورسي عالم الناس وهو على يقين من أن السياسة هي الحلبة المثلى لتجرع المهانات والتمرس بكل المخازي. فالنفس العزيزة تفقد بكارتها ما أن تقارف الفعل السياسي، لذا نرى المبتلي بالسياسة، لا سيما ممن لا حصانة إيمانية له، لا يعتم أن يحترف السقوط وممارسة العهر المعنوي، فضلا عن المادي. وذاك ما تترجمه مواقف التغير والنفاق والكذب والدهاء والتذبذب والاحتيال التي يعتادها السياسي ويتكيف عليها ويضحى يصدر عنها ليس فقط حيال المتعاملين معه في حقل السياسة ولكن مع المجتمع أيضا .
إذ تضحى تلك الأخلاق سلوكا ثابتا يربطه حتى مع نفسه وذويه، إذ لا يختار لنفسه ولذويه إلا ما استجاب للأهواء وحقق المظهرية والغنم دونما وازع. وذاك ما تأبت عنه روح النورسي التي احتفظت بسلامة تامة طيلة حياتها، فهو حتى خلال ذلك العقد الذي عاشه متفتحا على الأوساط المدنية، إنما عاش الأحداث عن براءة وطهر، إذ سار في الركب بمصداقية وحسن نية، وكان يتعامل أثناء ذلك بعُمْلة صحيحة ويتلقى العملة الزائفة، حتى إذا تبين المأساة، هاله الواقع الموبوء، ولم يسعه إلا أن يوصد الباب بضربة غضب عاتية، وأن يخرج إلى الخلاء، حيث الكبرياء وحيث البراءة وحيث الشموخ.
7- هل النُوْرْسي رومانسي ؟
يتلاقى النورسي في خصائص نفسية وسجايا وجدانية مع ما يتميز به ذوو الرهافة الوجدانية والمزاجية من الرومانسيين ..
فالرومانسي هو ذلك الشخص الذي يطوي الجوانح على نفس حساسة ومواجد مترهفة، تنشد الأفضل، وتتطلع إلى الأسمى، تتناجى مع الطبيعة ومعطيات الكون الأخرى، وتتأبى عن القيد والرسوف في وحل الواقع الراكد والتواضعات الجامدة، وتنزع إلى تقمص أحوال الألم التي تصادفها بمشاركة وتفاعل متفجعين..
وإذا كان الرومانسيون قد وجدوا في الفن فضاءهم المفضل للتعبير عن خلجات النفس واعتلاجاتها فإن النورسي يختلف عنهم من حيث المنطلق ومن حيث النتيجة.