من هنا كانت الفاجعة مدمرة لأن حجم الخسارة لم يكن على نطاق شخصي، بل كان يطال الملة برمتها. إذ على قدر جسامة الخسارة كانت جلل الفاجعة. الزلزال كان مدمرا لأنه لم يصب بيتا واحدا، ولكنه شمل المدينة بكاملها، والمدينة كانت الأمة، والرقعة من الوجود التي كانت تحتلها تلك الأمة كانت خريطة قلب النورسي تسعها وتحضنها، من هنا كانت خيانة المتغربين للعهد طعنة وجهت لقلب النورسي تحديدا، أو هكذا استشعر ذلك، لذا فاجعته كانت من المأساوية بمكان.
هكذا يتبين لنا أن عذاب النورسي إنما تأتى له لكونه عاش وطأة حلم قوامه مصير الأمة يتهاوى في وقت قدر أنه سيكون من بين الطلائعيين الذين يتوفقون بالمدد الإلهي إلى إسناده وتقصير أشواط لحاقه بالركب العالمي.
في الوقت الذي كان لا يخالجه ريب بأن الشروط السياسية تعمل لصالح الإسلام، إذا به يرى الإسلام يلفظ روحه، وعلى يد من؟ على يد أولئك الذين كان النورسي يسير في موكبهم، لذا ما كان عليه - في غمرة التوبة ورد الفعل المتفجر- إلا أن يتجرد من كل الماضي الذي رآه متلوثا بتبعات تلك الغفلة، فوأد ماضيه ووأد هويته القديمة، ودخل الإسلام من جديد.
لقد ألفيناه في المواطن الكثيرة يردد خلوص فدائيته التي يشاؤها شاملة للأمة تتلقى عنها عذاب الجحيم إخلاصا للمعبودية التي يريدها أن تكون لله وحده، مبرأة من القصدية تماما، على ما شاءه الصديق (رضي الله عنه) حينما تاق إلى أن يدفع حساب الحشر وعقابه على الأمة فداء لها وخلوصا للمعبودية.
ومع كل ذلك فلقد غادر الحلبة العرفية للسياسة بعزة لم تنثلم قطميرا . ذلك لأنه باشرها وهو على أكمل ما يكون صلابة ورشدا.. ولم يخرج من الساحة السياسية مهشم النفس أو مستسلما مهزوما.
فانكسار الشوكة كما أسلفنا مآل لا يلحق - في الغالب - إلا النفوس المجبولة على الهوان .