فالتجدد(1) كان جوهريا من حيث ظهور شخصية سعيد الجديد، وكان شكليا أيضا شمل مستوى الهندام، من حيث تخلي النورسي عن البزة الدنيوية الأنيقة المراعية للمكانة والمركز الاجتماعيين (قابل بين الصور الفوتوغرافية المستقرأة في مفتتح هذه الدراسة). فالبزة كانت في كلتا المرحلتين علامة سيميائية لها دلالتها النسقية على مستوى شخصية النورسي. فقد كان وراء اللباس وعي وكان ذلك الوعي منوطا بمقاصد معبرة، وهو ما بينه النورسي في بعض تصريحاته.
فالانقلاب شمل نظام الحياة والعلاقة والفكر،أي استحال إلى صيام عن كل ما يستهوي الناس من شهوات طعاما وقراءة وكلاما.
بل لقد تزاوج ذلك الإضراب الدنيوي واقترن بالالتفات الإرادي الصميم إلى القرآن انسياقا مع نوازع الروح وما فطرت عليه من إيمان ظل يحركها ويرسم لها المعالم.
فالمصيبة كانت من الجسامة والمدى لأنها استهدفت القرآن ذلك الكتاب الذي ظل يمثل للنورسي برنامج الروح ومشروع العمر ورهانه القدري الأوحد في هذه الحياة..
من هنا كانت الثورة، وكان التركيز وصميمية البذل، فالخدمة القرآنية لم تأت احتماء واستشفاء من الصدمة، بل جاءت تصعيدا لحمية روحية نواة تفعيلها في نفسه كان القرآن.
الثأر كان ذاتيا، إذ القرآن كان وجدان تلك الذات وضميرها. من هنا كانت الجذرية.
ولما كان القرآن هو ضمير ورأسمال وقوام تلك الذات، فلا جرم أن القلب لم يكن يسع مطامح ضيقة تنحصر في دائرة حياتية فردية، وإنما كان يسع الأمة برحابتها، إذ التماهي كان واقعا بين شخصية النورسي وبين الملة والأمة، وذلك من خلال تماهيه وجدانيا مع جوهر روحية الأمة. أي مع القرآن العظيم.
(1) التجدد لا يعني التغير،إذ أن جوهر العقيدة ظل هو هو، إنما الذي تغير هو المنهج والطريق المتبع من أجل تجسيد تلك العقيدة.