كما أنه ليس غريبا أن يتحول المعتقل في خلده إلى " مدرسة يوسفية " ينبعث منها نور القرآن وتنتشر تعاليم الله . فالزنزانة كانت طالع يُمْنٍ وتوفيق على النورسي كما كان الحبس طالع يمن وتوفيق على سيدنا يوسف.. لأن الزنزانة كانت تقرب الأستاذ من تلاميذه الموقوفين معه، وكانت تتيح لمنخرطين جدد، ربما بينهم الأكثر تمرسا وقابلية وقدرة على المجاهدة، أن يلتحقوا بالصف، فلا عجب أن نجد النورسي وهو نزيل الزنزانة يسارع إلى القول بأنه مشرق النفس وأن نسائم من سعادة القلب تنعشه، وأن الحظ السعيد ينصاع له بما اجتمع له من شمل مع الأصفياء.
لا جرم أن من طبيعة النفس البكاء كلما تعمَّلت المشاعر واعتلج الباطن بأسباب الشجى.
ولما كانت أسباب الشجى كثيرة فقد رأينا مواقف البكاء وذرف الدمع تتعدد لدى النورسي وتتلون صورها بتلون الظروف والأزمات. ولا بدع أن يكون النورسي كذلك، إذ لو قدرنا حال الغربة والحبس والشيخوخة وحدها لوجدنا فيها التبرير الراسخ لبكائه، لكن اللافت هو أن تلك الأحوال الضاغطة لم تنل منه ولم تقعده عن رسالته ولم تحول الحياة عنده إلى مرثية للذات وإلى بكائية تفجع لا تتوقف.
حقا إن كثيرا من تصريحاته الكدرة تكشف عن مدى الكسوف الذي كانت تبلغه نفسه في أحزانها، لكن روحه ظلت تسترجع - بصورة عامة وبكيفية إيمانية عجيبة - زمام التروي والتسليم، وسرعان ما كانت تتحول حواث الحزن والحداد إلى مجال تتقوى به الروحية أكثر..