تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا نرى أن علة بكاء النورسي وشكاته من الحظ إنما كانت منوطة بوضع الورشة النورانية التي كان يقف على رأسها، إذا لم يكن يسوؤه شيء مثلما كان يسوؤه أن يرى الورشة تتوقف عن أداء عملها، أو شاب ديناميتها ما يخل بسيرها في مستوى من مستوياتها.

إنها علة جهادية، لا علاقة لها لا بمغانم كشفية روحية ولا بمكاسب نفعية دنيوية، فهي احتدام نفسي وروحي خالص مبعثه الفعل التنويري الذي كان يباشره، فكلما فترت وتيرة ذلك النشاط، حل اليأس وتكدر المزاج وبكى القائد وشكا، أما عندما تسترسل الدينامية التنويرية، لا سيما في ظروف الشدة كتلك الظروف التي كانوا يعرفونها في الحبس، فإن الروح تشرق والنفس تهزج والطمأنينة تعود..

بل لقد طفق يعلن المرات أنه كان يبدد عن نفسه اليأس والكدر بقراءته للرسائل، إذ كانت قراءتها تبعث في نفسه السعادة وتخرجه من الوهن والقنوط، وما ذلك إلا لأن الرسائل كانت - زيادة على طابعها القرآني المبارك - شاهدا حسيا يجسد الترابط الجماعي والتواثق الاجتماعي الذي تمكن النورسي من عقده مع الأمة، فلا غرو أن يكون لمراجعتها وتصفحها ذلك التأثير النفسي والقلبي الإيجابي عليه..

لقد كانت رمزيتها الروحية والمعنوية تأخذ في وجدانه صورة حضورية وتواصلية ليس فقط مع من كان قد خطها وتعاطى قراءتها من الاتباع، بل مع الدفعات القابلة والتي كان النورسي - بحدس استشرافي إيماني- يدرك أنها ستكون على موعد مع الرسائل مستقبلا، فلا عجب أن يلهمه ذلك الاستشراف بهجة، إذ كان يرى في نفسه - من خلال الرسائل - ظاهرة تتحدى عوادي الانقطاع وضغوط التقزيم المسلطة عليه من قبل الأعداء.

يقول النورسي :

" في اليوم الذي أكون في خدمة رسائل النور أشعر بانكشاف وانبساط وفرح وبركة في قلبي وفي بدني وفي دماغي وفي معيشتي، حسب درجة تلك الخدمة"(1).

(1) الملاحق.201

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٢٩