تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن انحباس العلاقة الفاعلة بينه وبين الخارج، أو انبتاتها هو ما كان يجعله ينعى حظه، وليس شيئا آخر، أشبه بصاحب المصنع حين يرى قطعة ميكانيكية تافهة تعطل نشاط عماله وتوقفهم عن العمل. كذلك كان شأن النورسي مع محيطه وفي مهمته التنويرية تلك، بدليل أننا وجدناه سرعان ما يستبدل حال النكد النفسي تلك التي رأيناها تمضي به إلى حد نعي الحظ، بحال أخرى معاكسة تماما، حيث يطفح القلب بالاستبشار وتنفعم الجوانح بالسعادة ويفيض الصدر بالحبور ما أن يرتد إليه تيار التواصل مع القرابة من التلاميذ والمريدين..

لقد كانت تلك الصلة تجدد معنوياته، وتنشط بواعثه، وتمنحه الطمأنينة الروحية. ولا غرو في ذلك إذ أنه كان يجد نفسه قد استعاد الآلية التي تمكنه من أن يمضي في عملية البناء، إذ لا يسعه أن يقيم لبنة واحدة ما لم تجد أفكاره وخطراته الطريق إلى الأذهان التي تلقفها والعقول التي تهضمها، والقلوب التي تتشربها ..

وكان وسيطه في ذلك هم أولئك الرهط من البررة الذين مضوا معه في الطريق إلى أقصاه، والذين كان انقطاعهم عنه أو انقطاعه عنهم يشكل مرحلة الوهن التي لا يسع النفس إزاءها إلا الاكفهرار واليأس ونعي سوء الطالع..

لقد رأيناه يسارع وقد اجتمع بمجموعة من طلابه في بعض المعتقلات إلى الإعراب لهم عن استبشاره وسعادته، بل وعن طمأنينته، لأنه كان يجتمع بهم في موقع واحد..

" لا تقلقوا عليّ لأني أشاهد في كل أمر عسير أثر الرحمة ولمعة عنايته تعالى. فلا تتضايقوا فإن سعيكم وهمتكم ومعاونتكم لي تزيل كل ضيق وينشر السرور والانشراح دوما " (1).

ونفس الاستجابة سنراها تتكرر عنده في ظروف مشابهة، إذ كانت سماؤه ما تلبث أن تصحو، ما أن يلتئم شمله مع طلابه، وما أكثر ما كان شملهم يلتئم في السجن..

(1) الملاحق 238

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٢٨