تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكننا نستدرك مرة أخرى إذ نقرر أن النورسي عاش الخلوة والذكر والتهجد والقنوت بكامل الصحو والوعي والمعقولية، فأنى له أن يتأذى بأحوال الانقطاع؟ لقد تقرر لدينا أن النورسي لم يكن يسير على درب المراهنات الكسبية، لا الروحية منها ولا الدنيوية، فلم يكن يطلب المجد الدنيوي، وإلا لكان اختار الطريق المفضي إليه.

كما لم يكن أيضا طالب برزخية ولا خاطب حظوة لدُنِّية يسكر بها من فيوض الشهود الإلهي ويستنيم لنسائم السرمد العرفاني .. فلقد رأيناه يصرح في المواطن المتعددة بأن عبادته لله الخالق إنما تقوم على خلوص محض لا يتقصد بها الجزاء ولا الشكور، وأنه لو ملك لافتدى المؤمنين أجمعين من العذاب لتكون طاعته خالصة لله.

من هنا يتبين لنا أن تكدر الروح وتضجر النفس ونعي الحظ كما كان يعيشها النورسي إنما كانت حالا أخرى لا هي منوطة بالبواعث الدنيوية الخالصة ولا بالنوازع الروحية الخالصة .. ترى ما هي هذه الحال؟

تبين لنا ترصداتنا لمشاعر النورسي في بعض تصريحاته أنه كان يتأذى من مواقف الانقطاع العقيم تماما على نحو ما كان يستبشر بمواقف الانقطاع الفعال. فمخالطة الناس حتى المقربين كانت تثقل عليه لأنها كانت تستهلك من وقته ما كان يراه جديرا بأن ينفق في سبيل الانتاج والتأمل وبناء الرؤية.

لكنه كان من جهة أخرى يتألم من وطأة الانقطاع السلبي، ذلك الذي يرى فيه انحباسا لا تجد معه أفكاره وروحيته القرآنية مجالا للتسرب إلى الأتباع، حيث تؤدي وظيفتها في سقي النفوس الظمأى خارج معتقله.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٢٧