تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترى هل أن مساحة المرحمية التي هي خُلُقُ العظماء - من حيث أنهم النموذج الإنساني الأكمل - كانت تتسع في نفوسهم على قدر مساحة القوة والاعتداد الذي تحوزه جوانحهم ؟

أو بمعنى آخر هل إن ما خصهم به الله من كمال في الشمائل ومن سمو في النفس، من حيث جعلهم هم الغالبون في كل نزال، هو الذي ينعكس دائما على أرواحهم ويلطف نفوسهم بتلك المرحمة والرأفة، فلا يمكنهم إلا أن يبكوا لدى أي استثارة ؟

لقد ألفينا النورسي يتحدث عن سوء حظه ؟ فعن أي حظ يتحدث؟

لقد قررنا أنه أضرب عن الدنيا، وتنازل عن أخص الخصوصيات الحياتية التي من شأنها أن تسند النفس وتقويها على المضي في المجاهدة والتعبد نقصد بذلك الزواج . فما ذا كان يريد بالضبط وهو ينعى حظه ؟

ربما تبادر إلينا أنه يقصد الأمل الجهادي ذلك الذي انخرط في تحصيله، والذي تعذر عليه أن يدركه، وجشمه ما جشم من عناء، لذلك كانت تند عنه تلك التصريحات تماما كما تند عنا نحن أهل الدنيا تصريحات الحسرة والأسى في كل حين بسبب تعلق مواجدنا بالحياة وصراعاتها وأشجانها المسترسلة.

لكن هل يتساوق هذا الافتراض مع واقع التبتل الذي كان عليه النورسي؟

الجواب بالطبع كلا. لأننا نؤمن أن النورسي قد سد الباب بينه وبين الدنيا وأطماعها وأشاح متعاليا عن مباذلها، واختار أن ينظر إلى تلك المباذل بزراية واحتقار، وإلا ما كان ليتمنع عليه منها شيء لو أنه طلبها ..

إذن فهل يشكل حال تكدره وشكاته من حظه على هذا النحو المتكرر عناء نفسيا وروحيا ميز مرحلة صميمة في مسيرته الانقطاعية وبات أثناءها يعاني ما يعانيه أهل السلوك حين تنقطع الحال عليهم أو تتأحر؟

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٢٦