تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مما لا شك فيه أن النورسي كان يعيش أحوالا من المعاناة الإنسانية على أشق ما تكون المعايشة بسبب العزلة والوحدة والحبس . كان يمرض ويجوع ويسأم ويبرد ويتشهى ويطمح من غير طائل إذ كان يكابد قدره في كل حالة من تلك الأحوال بفردية وبصمود لا ساند له فيه إلا الله.. من هنا كانت الفداحة ..

فما أخف الابتلاء على المرء متى كان محاطا بجو الدفء من الأهل أو ممن يلمس لديهم المشاركة، بخلاف المعاناة حين تكون النفس واقعة تحت طائلة الانقطاع القسري وتحت وطأة النبذ والمصادرة.. لكن قدرة الله قريبة دائما من الإنسان، لاسيما إذا كان من القانتين.

لقد كان البكاء سجية راسخة فيه، لاسيما بعد أن تمرس بالحياة وبالأضرار. مما يدل على أن روح الشدة والبأس التي رأيناه يفاعل بها الأحداث كانت تنطوي على رقة ورأفة ليست غريبة أبدا على ذوي النفوس الكبيرة والقلوب العامرة بالإيمان..

لقد رأينا النورسي يتفجع لفقدان الأحبة ويبكيهم ويتأسى لرحيلهم بدءا بأمه إلى ابن أخيه عبد الرحمن إلى طلابه وصحابته ممن فرقت بينه وبينهم يد المنون. لقد كانت نفسيته مطبوعة على البكاء، فالمكان إذا ما حرك ذكرياته يثيره ويستذرف الدمع من عينيه. والوقائع التي كان الإسلام وبلاد الإسلام تنتكب بها تبكيه. وملامح الجسد وهي تشيخ وتدنو به من الغروب تبكيه.. هذا هو شأن النفس السوية، لكن النورسي بما تهيأ له من استثنائية على صعيد الخصال والتفوق والكبرياء، كان بكاؤه - بكل تأكيد - يتجاوز هذه الدوافع، ترى ما ذا كان يدفعه إلى البكاء ؟

أم أن من طبيعة القوة الإنسانية أن تلين ويلابسها الضعف كلما حركتها الدواعي واستثارتها البواعث ؟ لا ريب أن العظماء وفي طليعتهم الرسل كانوا يبكون، وكانت عيونهم تفيض بالدمع كلما مست مشاعرهم أصابع الشجى والتهييج..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٢٥