تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل الأمة التركية عبارة عن شباب غافلين سارحين وراء الاهواء، ممن تتراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين من العمر فقط؟ وهل ما تستوجبه النخوة القومية من منافع تمسهم محصورة في تربية متفرنجة تزيد غفلتهم وتعودهم على الفساد وسوء الأخلاق، وتحثهم على ارتكاب الموبقات؟ وهل في دفعهم إلى متعة مؤقتة وضحك آني يبكون عليها أياما في شيخوختهم ؟" (1).

فالخطاب له استراتيجية شِقِّية الأهداف أو مزدوجة الغاية، فهو من جهة يقوم بإبراز فضائل الذات والدور الذي يضطلع به هو في سبيل حماية تلك الذات والمدافعة عن سلامتها الملية، وهو من جهة أخرى يكشف عن المفاسد والسيئات التي يرسو عليها منهج الخصوم التدميري..

بل إنها استراتيجية خطابية متعددة المقاصد، فهي تثبت الموقع على صعيد المعركة، وهو موقع حضوري تشترطه دينامية المدافعة والجهاد، وهي من جهة ثانية تبين التمايز بين الموقفين والأسس المذهبية التي تقوم عليها خطة كل طرف، ثم هي من جهة ثالثة تستقطب إليها الجيل بما تبثه إليه من وعي وتنوير. فهي بهذا الصنيع تعتبر استراتيجية تخذيل مفيدة وناجعة في السجال الدائر على صعيد المجتمع . وقد كان الرسول يجد في نجاعة الفعل التخذيلي مددا يتنفس الإسلام من خلاله، ويهيئ للدعوة حظوظا جديدة من الإسناد والتوسع .

البكاء والشكوى

لماذا كان النورسي يدأب على الشكاة والبكاء ونعي الحظ ما دام قد وطن النفس على الزهد وقطع الرجاءات الدنيوية؟

هل كان بكاؤه حسرة على ما فاته من مسرات الحياة وملذاتها أم كان بكاؤه ذاك ضيقا من عناء الطريق ومشاق الرحلة، أم ترى كان تحسرا على ما كان يتَفَلَّتُ من بين يده من مغانم المكاشفة والإدراك ؟ هل أضاع سلطانا دنيويا وعز عليه بلوغ سلطنة روحية فشق عليه الأمر؟ أم تراه كان يتخذ من الشكوى والبكاء حالا أخرى يتعبد بها ويتقرب إلى الله؟

(1) المكتوبات543

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٢٤