تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأمر الإنساني معقد ولا تصهره الملابسات العابرة باليسر الذي قد يُتَوَهَّمُ، إذ لو كان الأمر كذلك، لكان ممكنا أن نفرز الرجال الأثبات من غيرهم لمجرد إحصاء ما خاضوه من تجارب القهر والمغالبة..

والمؤكد أن شخصية الإنسان صيرورة حيوية تحمل شروط قوتها أو ضعفها منذ المولد، وتساهم التنشيئة في بلورة تلك الاستعدادات وتطويرها، سلبا أو إيجابا، ليكون حاصل النتاج شخصية قويمة لم يعرض لها في خضم مسيرتها الحياتية - لا سيما الأولى، وهي بعد غضة - ما يقرحها أو يضر بها .

فهي من ثمة شامخة أبدا لا تنحني ولا تتلكأ في المواجهة، لأن عزتها لم تنهدر..

إذ أن الشخصية القوية إذا ما استوت على سوقها، صحةً وعافيةً، لا يضيرها أبدا أن تدخل المعارك وأن تخوض المعمعان وأن تتجرع حتى مرارة الهزائم .. لأنها تظل على أنفتها وشممها، وفي الأحوال كلها سلبيها وإيجابيها، ولا يخامرها أدنى ريب في أن انهزامها لم يكن عن أفونة في الهمة أو عن قابلية مهينة، ولكنه انهزام مردّه أمور خارج النفس.. الأمر الذي يجعلها تعيش المحنة مرفوعة الرأس، أبيّة، مبرّأة من كل ما يشين.

من هنا نتبين أن حال المكابدة وتجشم المحن، بالقياس لذوي النفوس القوية والشخصيات الراسية على جبلة التماسك والثبات، لا تفضي بهم إلى تردي العزة وتهشم الكرامة..

فالهزائم الطارئة لا تنال من عزم الرجال الصناديد ولا من رباطتهم وقابلياتهم، فهم مصونون بالقدرات النفسية المكينة التي يحملونها، على خلاف المهزوزين ومن ورثوا هشاشة في أعماقهم لا سيما إذا كانت هشاشة نقص وقوامة، فهؤلاء لا ينهضون ولا يرفعون رؤوسهم إلا على مخادعة وادعاء .

المواجهة، والحدة، والإباء

واستراتيجية الخطاب التنويرية

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٢٢