من هنا كان للطبيعة - كمعين تعبيري وتصويري - متفرعات تترجم عنها صور أخرى تستوعب جملة من المفاهيم والرموز، من قبيل: البرزخ الطريق الشمس الجرثوم البذرة.. إنها أحوال من التمثيل بالأعم والأخص، تعكس جوهر النفسية القويمة وما فطرت عليه من رفعة وظهور ونظام..
وعلى العكس من ذلك نجد النورسي يبدي نفورا من صفات بعينها تناط - عادة - بالنفس المستهلكة، المداسة، الخَنُوع، التي عركتها الأرجل وكسرت شوكتها.
فصفة الذلة والتذلل والجبن والخسة والمهانة والهوان وغيرها من الصفات الدالة على الضعة والحقار وانعدام الشرف، لا يفتئأ النورسي يرسلها سهاما تصم ذوي النفوس المستخزية بالإثم وتدين المواقف الرعديدة وتستفظع الأحوال المخترقة والأوضاع المهترئة.
لقد ظلت صفة الشهامة والحمية والبسالة والريادة والبطولة نياشين خطابية يقلدها النورسي لكل نفس أبية تعشق الفضائل وتتغنى بالمحامد . كما أضحت دوال مثل التذلل والتملق والتجبر من السهام التي يمحق بها النورسي النفوس الرخيصة المتهالكة والمتهافتة..
ترى ألا يتضمن كلامنا هذا بعض ما يتناقض وواقع النورسي ؟
ولقائل أن يقول: أليس في تقريرنا أن النفس البكر، النفس التي لم "تذق الهوان" بحسب تعبير النورسي، هي النفس الحرة، والفاعلة، والمرشحة لأداء وظيفتها الحياتية بعظمة غير مكلومة وهمة غير مجروحة كما كان شأن الصحابة رضي الله عنهم أمثال خالد؟
ثم هل ينسجم هذا مع قولنا: إن أصحاب النفوس المعروكة هم الأغنى تجربة والأثبت على التحدي والأشد على النزال ؟ ومادام الحال على ذلك، فكيف يكون النورسي عظيما هو الذي قلنا عنه إنه - ورغم ما عرف من عنت في حياته - لم ينعرك بهوان ولم تنحن هامته للأعداء؟
لا ينبغي أن يذهب بنا الاعتقاد أن جدلية الإنسان مع العناء والأعباء والتحديات لا يكون لها إلا حاصلا نفسيا واحدا ستنطبع به شخصيته ويلازمها كلون ينمطها ضمن فريق الأبطال أو المندحرين وليس غير ذلك.