هذا هو الجانب الخلفي في نفسية النورسي، نفسية مقدامة تتبطن بتماسك متناه عاطفة الرحمة والرأفة.. ترى هل الأمر سجية أم طبع؟
لاشك أن الدين هو أهم صاقل للنفس، لكن الدين لا يستطيع أن يشحذ إلا ما يجده قائما في النفس من قابليات، من هنا نقرر أن الرأفة صفة ملازمة للبطولة، وشرط رديف لها.. وسيتجسد ذلك في لطائف كثيرة سجلتها لنا سيرة النورسي، من ذلك صلته بالحيوان مثلا، ففي الوقت الذي كان ينازل السفياني - ربما كظاهرة وليس كشخص أو طغمة - كانت يقتطع من طعامه البسيط والكفافي ما يطعم به الحيوانات والحشرات.. كما سنرى ذلك لاحقا.
ولنسمع إليه في موطن آخر :
" فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذه الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وإنما إلهام أفاضه الله سبحانه على قلبي من نور القرآن الكريم" (1).
وآخر:
" إنني شخص ضعيف وعاجز ومنفي ونصف أمي، وعندما كانوا يثيرون الناس ضدي بدعواتهم ويخوفونهم مني، كنت أجد دواء لأدوائي من أدوية القرآن الكريم ومن حقائقه الإيمانية الرفيعة. كتبت تلك الحقائق القيمة إيمانا مني أنها ستكون علاجا شافيا لأبناء الأمة والوطن، ولما كان خطي رديئا جدا فقد كنت بحاجة ماسة إلى معاونين، فيسّرت العناية الإلهية لي معاونين خاصين وصادقين وثابتين"(2).
إنها أحوال اعترافية تخلت كلية من فروسيتها، وما ذلك إلا لأن النفس كانت في موقف تقويمي لا يسعه إلا أن يتجرد عن كل لبوس.
على أن هناك جوانب أخرى من إفصاحيته(3) تبدو في مواقف التبصر والتبصير التي يسديها للقارئ.
إذ تكشف لنا تلك المواقف التي يتوجه النورسي فيها للقارئ بالنصح المباشر، عن جوانب من نفسيته المتأبية عن الرضوخ إلا للحق، يقول :
(1) الشعاعات542
(2) الشعاعات508
(3) يلاحظ هنا أننا استخدمنا مصطلح الإفصاحية استخداما استدعته التلقائية، وهو بمعنى الإفضائية الذي اعتمدناه لتنفيذ مقاربتنا هذه.