هكذا تتأكد لنا أصالة شخصية النورسي ومصداقية سجاياه وصفاته، وأنها كانت صفات جبلة في النفس، ولم يكن قط يفتعلها، ولا كانت أحوالا مكتسبة زودته بها تجارب الحياة بالاعتراك والمراس، ذلك لأنه من الثابت أن التمرس في المحن والاستمرار على تجشم الابتلاءات من شأنه أن يكسر الشوكة وأن يلين العريكة وأن يجعل العين في نهاية المطاف تغضي عن الانتهاكات، ما لم يكن وراء ذلك المضاء دافع روحي ووجداني موصول بقدر الإنسان ذاته وبما كتب له في اللوح المحفوظ من شأن ودور ورسالة يؤديها ضمن بني جنسه وإزاء الأجيال والإنسانية جمعاء.
فالنورسي ونظرا لأصالة ومصداقية سجاياه ظل على حاله الأولى من الشمم والإستعلاء، لم ينكسر له عود كما سنرى لاحقا. لقد تحدث عن بذرة البطولة كما أحسها في طفولته، فقال :
" كنت أحمل حالة روحية تتسم بالفخر والاعتزاز يوم كنت في العاشرة من عمري، بل حتى أحيانا بصورة حب للمدح والثناء، فكنت أتقلد طور بطل عظيم ورائد كبير وصاحب عمل عظيم خلاف رغبتي، فكنت أقول لنفسي : ما هذا الظهور والاختيال ولا سيما في الشجاعة، وأنت لا تساوي شروى نقير ؟ فكنت حائرا وجاهلا بالجواب "(1).
وهاهو يتحدث - في صيغة الغائب عن نفسه - ليكشف عن تلك القدرة الاحتمالية الباهرة التي واجه بها الضربات وعرف كيف يهزم بصموده الأعداء :
" أنزَلوا به أقسى ضربات الظلم الشنيع طوال ثمان وعشرين سنة، فقاسى ذلك الضعيف سعيد أمرّ العذاب وتحمل أشد العنت منهم، مع أنه كان لا يتحمل أذى الذباب .. وعلى الرغم من مزاجه العصبي ورهافة حسه وعدم التخوف في فطرته والجرأة التي يحملها من إيمانه بحقيقة أن الأجل واحد لا يتغير .."(2).
(1) سيرة ذاتية 41.
(2) انظر الملاحق.364.