تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد هذه المرحلة، مضت بالشاب رحلة العمر تسترسل صعدا، فقطع طريقه من غير أن تواجهه طوائل تبدد جموحه الفكري الواثق.

اشتغل مدرسا سيدا في إقليمه، ثم انخرط قائدا يشرف من تلقاء نفسه على وحدات قتالية خاصة من إنشائه هو، قوامها طلاب ومريدون مقربون .. وفي الأسر سنلقاه يجسد ذروة التحدي حين أهان خال القيصر وأضطره للانحناء بدل أن ينحني له هو العسكري السجين.

فقد اقتيد من موضع تنفيذ الإعدام إلى الحاكم القيصري الروسي، حيث لم يسع هذا الأخير إلا أن يعرب له عن إعجابه لما رأى فيه من صدق والتزام بعقيدته، الأمر الذي ساهم في تخفيف وطأة الحبس عليه، فلم يعش معترك الجماعية في المعتقل، بل اتخذ من مسجد القصبة مخدعا ومتنسكا. ثم كانت المغامرة الكبرى، إذ كان عليه أن يعيش صورة أخرى أعجب من كل ما فات، وهي مغامرة الإفلات من المعتقل وقطع آلاف الأميال وصولا إلى الوطن وانخراطا في الجهاد من جديد.

هكذا نرى أن تجربة العمر كانت تجربة متصاعدة من حيث طبيعة المشاق التي تجشمتها والعناءات التي تكبدتها.. لكنها تجربة ظلت في كل حلقاتها ثابتة الروح، مطردة على خط نفسي ونزوعي قويم، تتجسد فيه شمائل العزة والشمم التي عاش بها منذ الصبا.. الأمر الذي يبين أن شخصية النورسي لم تكتسب خصائصها من تمرس اجتماعي طارئ ونافذ التأثير إلى أعماق النفس بحيث غيَّرَ من طبيعتها وأحالها تلك الشخصية الكاريزمية الراسخة.

وهي كذلك لم تمتلك تلك الخصوصيات المتوهجة نتيجة نزوع تعويضي إيجابي تستوي به على حال نفسية وعاطفية بديلة ونقيضة لما ظل يسكن النفس ويحكم أفعالها من أحوال كبت وخجل وانغلاق.

ولا تولدت تلك الخصائص عن اعتراك نضالي نمى فيها نزعة القتال وروح التحدي والاستبسال..

بل لقد كانت شخصية مجهزة بسجايا التحدي والحركة والسجال خِلْقةً وقدَرًا..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٠٩