تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهي لذلك لا تحتمل المواجهات الصادقة لأنها اعتادت أن تضرب من الظهر، ولا أن تجلس إلى مائدة الحوار فهي لا تعتد إلا بالرأي الواحد، إذ لا تعرف المناظرات، وهي لا تكشف عن ذات نفسها ، فرجالاتها لا يعربون عن أنفسهم بالتلقائية وبالإدلال البرئ عن ذات الصدر، وهم لا يحوزون الإكبار بالمدى المعرفي والعقلي الذي يميزهم عن الناس، ولكن يتم إشهارهم من بين القرابة والصنائع ويجري ترسيمهم وفق أصول وحسابات قارة تقررها أيادي السلطان.

ترى هل نقول إن تشكيلا من الوعي الإضافي يكون قد وقع للنورسي نتيجة ما يكون قد عرفه من انصدام بما رأى عليه أوضاع الخاصة من رجال السياسة وأهل العلم والأكابر الذين كانت الخلافة تعتمد عليهم أو على الأصح كانوا يعتمدون في توطيد مكانتهم وتعزيز مراكزهم عليها ؟

لا غرابة أن يستجمع النورسي حيرة أخرى إلى حيرته الأولى التي جاء بها إلى استانبول وطمح إلى إحداث التغيير في أحشاء مدنيتها انطلاقا من إصلاح الفكر وتسديد الرؤية.

بل لا عجب أن يعود النورسي أدراجه إلى بيئته الريفية، هو الصميم المعدن، السليم الطوية، وقد كان مهيأ لأن ينغمس في البهرج وأن ينخرط في الجوقة وينوع أداء الألحان في مجالس الأسياد وبين الأشهاد ؟ لقد كان مادة تتأبى عن التحلل في غيرها، وذلك هو عنوان الجواهر الأصيلة. لقد أثبت النورسي إلى هنا أنه كان فعلا شخصية مبرمجة من قبل قدرها، فهي مشغولة عما يستهوي الناس من حولها، إذ هي أبدا دائبة على الحركة تنشد أوضاعا وهوايات أخرى تستقطبها وتشدها..

إلى هنا أيضا نتبين النورسي شخصا شامخا لم يستهوه بهرج مما كان يبهر الناس، ولم تشده واجهة من واجهات الحياة في تلك البيئة وضمن ذلك الكيان. كان يجوب الآفاق، طالبا للإثارة بنفسه رغم خروجه عن نطاق البيئة المحلية وما يوفره المكان الحميم من أسباب الإسناد والتقوية للأفراد ..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٠٨