لقد تصرف النورسي - يوم دعا الأقران في استنبول إلى ملاقاته - على شاكلة ما ظل يأتيه العلماء المسلمون في كل عصر ومصر، من خلال عقدهم مناظرات العلم والفقه وإقامتهم مجالس الجدل والكلام، تلك الممارسة العلمية المتبعة قديما والتي كانت تشبع الرغبة في الظهور العلمي وتستجيب لمقتضيات أخرى اجتماعية ودينية حيوية. إذ أن ذلك التباري العلمي والتناظر الفقهي كان من فضائل اجتماع وثقافة الماضي .
بل لقد كان من فروض ومستلزمات تلك الثقافة السلفية شبه العصامية في ذلك الواقع الاجتماعي والمدني المتقهقر والآخذ تقريبا بروح الهيكلة الذاتية.
ففي ذلك الاجتماع الريفي المعزول والذي كان لا يتوفر على المؤسسات المتأهلة لوضع نظام ترتيبي بين ذوي الكفاءات والعقول المتنورة، كان حتما أن تمر تلك التصفيات العلمية - إذا صح التعبير - بظاهرة المناظرة والتناظر، إذ لا يحق للجماعة أن تقتدي في مسائل دينها، وبالتالي دنياها، بغير الأعلم والأفقه .
لقد كانت المناظرة نهجا اجتماعيا ومدنيا تتمايز فيه القدرات - بكل سماحة - فرزا للأظهر والأقدر والأكثر أهلية على أن يكون فيصلا في الفتوى وبالتالي في الاجتهاد.
من هنا جاء النورسي إلى استانبول وحمل معه أعراف بيئته العلمية، ومارسها على ذلك النحو الذي كانت المدينة المتحضرة قد أغفلته.
ترى هل غفل النورسي في موقفه الفتحي ذاك عن كون استانبول مدينة جامعة وحاضرة لنظام متحجر ومثابة لمرافق عمومية نخرة، وأن طبيعة المدينة بتلك الخصائص الراسخة طبيعة معقدة، فهي من ثمة مدينة لا تحتمل الصراحة والوضوح، ولا تهش لبسمة البراءة لأنها اعتادت التكشرة المقنعة والافترارة الصفراء.. لما يغلب عليها من ألوان النفاق .