لكن اللافت هو أن النورسي قد مضى في سيرته الحياتية على خط أفقي واحد، فلم تتغير فيه صفاته النزوعية الأولى التي شاهدناها تتحدد لشخصيته في أول العمر، ولم تتبدل لا سلبا ولا إيجابا. فالشائع أن كثيرا من السجايا الطفولية تتحول إلى نقائضها في تالي أشواط العمر، فالنفسيات الحركية مثلا تتحول إلى نفسيات متماسكة راكنة، والنفسيات الهادئة قد تضحى نشطة وثابة وهكذا..
فالنورسي لم يعش ماضيه الطفولي مخنوقا، مقيدا، مضطهدا، حتى يقبل إلى استانبول على ذلك النحو المتفجر الاعتدادي السافر، مشهرا سيف الخيلاء بروح تنفيسية تعوض ما لحقها من عنت في صباها، وإنما جاءها شابا متدفق الحيوية والبراءة، ينقاد لطبع طلق عاش به دائما وتواصل من خلاله مع الآخرين .
لقد وصل إلى استانبول محتفظا بكامل سجاياه الفطرية لم يكد يتغير من طبيعة تنشئته قطمير.
ترى لِمَ نزل النورسي استانبول مساجلا ومتحديا للعلماء والمثقفين ؟ أأستجد فيه عامل نفسي أو باعث روحي نتيجة الصدمة مع الحاضرة وحياة المدينة ؟
لقد رأيناه عاش في إقليمه الجنوبي متحديا للمشايخ منذ كان تلميذا، وألفيناه قد رسخ مكانة المشيخة لنفسه وهو بعد طفلا، وكان طبيعيا أن تظل حمية الاستزادة العلمية متقدة في أعماقه، وكان مناسبا أن تكون الرحلة طريقا لإشباع ذلك الاستعداد النفسي والقريحي لديه .. وكان اعتياديا - وفق ما كان متبعا في المجتمعات الإسلامية أن يستمر الفتى النابغة في طلب المناظرة العلمية حيثما حل أو ارتحل سبيلا لتقويم المستوى وتطويرا للمحصول .
فحاله في نشدان المناظرة لم تكن تشذ على العرف الذي ظلت البيئة المسلمة ترعاه من خلال ظاهرة التناظر العلمي التي كانت تقع بين العلماء وتشكل باب تعارفهم وتفاوت طبقاتهم ..