فألمعيته لم تكن تتسع لإقامة روابط روحية مع المشائخ الذين كان ينزل عندهم للتعلم، إذ غلبة عقله كانت سرعان ما تدرك حقيقة أحجامهم فلا تجد لديهم ما يبرر التواصل معهم والارتباط بهم والخضوع لسلطتهم. وكل ذلك يترجم روحا لا تحجمها التقاليد، وبالتالي لا تطويها مستقبلا القوانين السلطانية الوضعية، لأن لها قوانينها الذاتية المنضبطة والصقيلة والتي لا تتضارب بالضرورة مع القوانين الخارجية والعامة، وإن كانت لا تتمازج معها ولا تندرج ضمنها جبلة وطبيعة.
وإذا ما واصلنا متابعة باقي أشواط حياته، فسنجد الشاب النورسي في طور الفتوة ينساق إلى حياة الرحلة والكشف وطلب المغامرة البطولية والتحدي، وازعه في ذلك لم يكن ظروفا اضطرارية قاهرة تدفعه إلى ركوب ما كان يركب بحكم الضرورة والحتمية، إنما كان اختيارا إراديا يسعى إليه بنفسه وينفذه بملء إرادته.
وربما ترجمت تلك الإشهاريته الاستفزازية التي علقها على بابه حين انتهى إلى استنبول، والتي دعا فيها إليه المنازلين ممن يريدون اختبار طاقاتهم العلمية معه، عن منتهى الوثوق والإحساس بالامتلاء والاعتداد والاعتزاز. وذلك تجل آخر عن منزع السجالية الذي يسكنه .
فهو شخصية مفاعلة على القرب والبعد، لأنها تنطوي على برنامج عاج بالحقائق الكثيرة التي كان يشاء أن يجعلها تظهر وتحتل مكانها على صعيد واقعه المدني والملي آنذاك..
ونسارع هنا إلى تقرير الحقيقة البديهية التالية، وهي أن النورسي الشاب لو عاش حياة مكبلة بالعوائق، مكتنفة بعوامل القصور والحرمان والضغط، ما كنا سنجد في سيرته الاعتدادية تلك غرابة، إذ أن الكبت ينعكس أحوالا ومزاجات نقيضة لماضيها.