وربما كانت هناك حادثة واحدة لفتتنا إليها سيرته، وتتمثل في واقعة صدامه مرة مع بعض من غاروا منه من الصبيان. وما عدا هذه الحادثة، فليس هناك مكدر يذكر في تلك المرحلة، بل لا يمكننا أن نعتبر تلك الحادثة مكدرا حقيقيا، إذا ما استحضرنا ملابستها وما انطوت عليه من منازع التجاوز الاتنصاري غير المشوب، إذ سارع الطفل إلى خصومه يطلب إليهم النزال فرادى، وهو ما يعكس روحا انتصارية ظاهرة وملموسة لم يكن يسع المحيط المتساكن معها - منذ الصغر والنعومة - إلا أن يتحاشاها ويتفادى تحديها وألا يواجهها إلا على نحو قطيعي زُمَري جبان. ثم هل تخلو سيرة طفل ما في هذا الوجود - لاسيما إذا كان نابغا - من حوادث صدام مبعثها الغيرة ؟
على أنه لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن مرحلة التلمذة والتحصيل ميزت في شخصيته فرادة وبطولة، من خلال فوز تحصيلي وتعال على الأتراب، واستجابة قائمة على التحدي والأنفة.. وكلها مواصفات لابد أن تستمر معه إذا كانت صفات أصيلة في النفس، إذ لا يخفى أن ملامح الفردية تتحدد من على مقعد الابتدائية.
ترى هل نسابق النتائج، ونقرر أنها كانت مرحلة استوعبت في فهرسها خصائص روح النورسي ومنحاه الوجودي، وأن جوهره النفسي وطبيعته المزاجية ومقومات شخصيته قد استجمعتها هذه المرحلة الغضة من حياته، إذ تكشفت فرديته عن شحصية دائبة في تنفيذ برنامجها، غائبة عن غير ما يتصل بإطار ذلك البرنامج، متجاوزة للتواضعات والأعراف التي تؤطر المسار الاعتيادي للناس؟