لقد حدثنا النورسي عن الجو الذي كانت تخصه به تلك الأسرة حتى يوم أن غادرها ولم يعد مرتبطا بها ارتباط العضوية، فكشف لنا بأن أخبار إصلاحه الاجتماعي حين كانت تنتهي إلى الأبوين كانت تحرك فيهما شعورين مختلفين في الظاهر، إذ كانت الأم تبكي شفقة على ابنها، فيما كان الأب ينتعش ويعرب عن إعجابه بما صار إليه أبنه ..
وواضح أن ردة الفعل هذه من أبويه لا تشذ في شيء عن رد فعل أي أبوين في وضعهما ذلك، لكن أهمية موقفهما هذا تكشف لنا طبيعة الروابط السوية والقائمة على علاقة لا تخرج عن مستواها الإنساني الحميم، الأمر الذي يؤكد أن طفولة النورسي كانت طفولة صحية، سليمة من الَنقص، مبرأة من الخلل الذي يترك عادة أثره السيء والموجه لشخصية الأبناء في قابل أعمارهم..
هكذا إذن تفيدنا هذه اللفتة البسيطة لمعرفة الإطار السيكولوجي العام لطفولة النورسي، إذ كان إطارا على أكمل مستوى من الاستواء..
كانت فترة تعليمه فترة متحركة، غير راكدة، فهو بحكم ذكائه الجلي ما برح أن راح يتنقل عبر المراكز وسرعان ما استوعب المحاصيل، وفرغ مما كان الناس يرابطون من أجل تحصيله شطرا من الأعوام والسنين.
لقد وجد نفسه وهو لا يزال في عمر اليفاعة، سقفا في المعرفة ليس هناك من بين علماء بيئته من كان أهلا لإلباسه العمامة، عمامة العلم والمشيخة .
وهذا يعني أن الدرب كان إلى هنا مفروشا بالورود . أسرة هنيئة، فهي - على فقرها - منعمة بنظام حياة قار ضوابطه الدينية تجعل منه نسيجا منسجما ومليئا بالسماحة والدفء. وكلها شروط تصون النفس من الهزات وتكفل لها السلامة والنضوج الهنيء.
فحتى مرحلة التحصيل التي تترك عادة آثارا على النفسية والوجدان عبرها هو على عجلة، إذ سرعان ما تحول فيها الطفل شيخا يوجه النقد والتصويب إلى كثير ممن دخل كتاتيبهم متلقيا، متتلمذا.