لكن قبل هذا علينا أن نبين أن هناك أصداء دلالية مفتاحية وجدنا خطاب النورسي يتوفر عليها، وهي لافتة للنظر، ليس من حيث كميتها وكثرة التواترات التي سيقت فيها تلك المؤشرات الدلالية، ولكن من حيث نوعية الاستعمال والمواقف التي وظفت فيها. الأمر الذي يجعلنا نرى فيها لوينات أصيلة تعبر عن نفسية صاحبها، وتعكس خصوصية شخصيته وجبلته الأبية الفريدة.
كيف يمكننا القول إن النورسي عاش أبيا ومات أبيا ؟
للإجابة عن ذلك، نقول إن سائر مواقفه، وأطوار حياته، تثبت ذلك.
كما أن كل ما كتبه، كان يعكس تلك الصفة.
لكن هل يمكننا من ناحية ثانية أن نعكس الحكم ونقرر أن تأبّيه ذاك إنما كان انهزامية، وعدم تكيف، وقصورا سافرا عن مجاراة الحياة؟
إنه افتراض يحتاج إلى شيء من الإنارة حتى تتبين حقيقته من بطلانه. وللوصول إلى ذلك لابد لنا أن نخوض في الإجابة عن السؤال التالي :
هل حقا كانت سجايا التأبي والعنفوان أصيلة في شخصية النورسي أم كانت مجرد سلوك ماهر قد موَّه به على تخليه عن مواصلة السير في ذلك الطريق الذي سار عبره تحت تسمية سعيد القديم ؟
نعتقد أن الطريقة الموضوعية والبديهية للإجابة على هذا التساول تقتضي منا بالضرورة أن نستقرئ في إيجاز الأحوال التي عاشها النورسي في مسيرة حياته ؟ ونترصد مواقع التعقد التي قد تكون تخللتها وتركت تاثيراتها على نفسيته.
نعلم إنه عاش في كنف أم وأب وبين أعضاء أسرة متكاملة متجانسة، فيها الذكور والإيناث، حيث نشأ الجميع في جو عائلي متماسك تماسك الأسرة التقليدية المحافظة، ضمن رباط روحي رحيم لا يلوح فيه أي سبب من أسباب الاختلال أو التأزيم .