تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو سلمنا بأن ترك الوباء يشيع من شأنه أن يتيح للأجسام أن تتلقح وتكتسب مناعتها، ألا يكون ذلك على حساب ضحايا بلا إحصاء ؟ إذ ليس كل جسم يمتلك قوة المقاومة، وهو ما يعني أن المراهنة – منذ المنطلق – ليست منصفة مع ذوي القابليات الجسمية الضعيفة، فأين هو الإنصاف الذي تتحدث عنه الديمقراطية إزاء من يسقطون ؟ ثم أليس في عملية تكيف الجسم مع جرثوم معين إرهاص حتمي لميلاد جراثيم بديلة أخطر وأفتك من سابقها، وهو ما تؤكده البيانات الصحية في علوم الجرثمة والحياة ؟ فعالم الأخلاق يتشابه تماما مع عالم الأعضاء، وحساسية الإصابة في هذا هي ذاتها في ذاك، بل أرهف وأكثر استشراء في المجال السلوكي منها في المجال العضوي.

من هنا شدد النورسي، ومن منظور قرآني، على ضرورة سد الباب في وجه الاختراقات القيمية، حتى ولو نودي إلى ذلك باسم التجديد وباسم الارتقاء وباسم التمدن والديمقراطية وتقمص أخلاقيات الآخرين.

6- النُوْرْسي .. ونسيج نفسيته

ثمة معابر عدة توصلنا إلى معرفة طبيعة النورسي النفيسة ومكوناتها ..

ومن غير شك أن أوثق السبل المحققة لتلك الغاية، هي تتبع سيرته كما سجلتها محطات حياته، أي من خلال سجل تقلباته عبر أشواط الحياة كما رصدها هو أو من كتب سيرته، أو كما تداولها الناس وعرفوها منه أو عنه.

ثم إن هناك سبيلا آخر نراه يجلي بصورة أساسية وإضافية تلك الجبلة الحياتية المتميزة. ويتمثل هذا السبيل في تصريحات النورسي وكتاباته ومأثور أقواله وتراثه - وليس بالضرورة تلك التي وردت في سياقات خبرية مباشِرة، سردت لنا وقائع حياته. فكثير من خفايا النفس - كما نعلم - تكمن وراء ظلال الخطاب التلقائي أو ذلك الذي لا يجعل من رواية السيرة المباشرة ارتكازه الأدائي الأول.

إذ أن تتبع تلك الإفضاءات الوجدانية، يفيد أيما إفادة في تقويم الشخصية وسبر طبيعتها وسماتها وأصالة أو زيف ما تتحلى به من ظاهر الصفات وجلي الأحوال.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٠٠