تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وواضح أن الصراع كما تبرمجه القوى الحاقدة لا يستهدف الأغلبية بوصفها قومية أو عرقا، ولكنه يستهدفها بوصفها حضارة تمتلك في سجل مدنيتها وفي كروموزوماتها الروحية قابلية القوة والانبعاث والغلبة، الأمر الذي يتعارض مع سؤدد وطغيان تلك القوى المتربصة التي تجد نفسها في التحليل الآخر تعادي - على حد سواء - العرق وتعادي العقيدة التي يتسلح بها ذلك العرق.

الديمقراطية الغربية باب لتوطيد خلق الدناسة

ولما كان الفكر الغربي قد مضى في تكريس ديمقراطيته المتلائمة على نحو أو آخر مع أوضاعه ومعتقداته وتاريخه وحضارته، فقد باتت الديمقراطية الغربية ظهيرة لأصحاب البدع والتقليعات ..

فالمجتمعات الغربية مجتمعات استهلاك لا تفتأ سهولة الحياة والعيش فيها تفرز أخلاطا من السلوك والأفكار والمعتقدات تتجاوز غالبا المعقول والمعهود والمرعي من القيم، بحكم روح البطر والتفحش التي تسود الطبقات هناك والتي تتقبل الترف والترفيه كجزء من معاشها، دفعا لآلية الحياة العصرية وما يطغى عليها من مكننة وتجهيز أدخل الرتابة والكمد على واقع الإنسان الأوروبي وجعله يتطلع إلى التجديد دائماً.

ولما كان خرق الأعراف هو أيسر السبل إلى التجديد، فلا غرابة أن نرى الفرديات والمجاميع البشرية هنا وهناك من أهل الغرب يسلكون سبيل الاختلاف والاختلاف الصادم..

إنها استجابات مدنية موصولة بمعطيات وشروط حضارية تعزز نزوع الغرابة والغواية والتمرد، وذلك ما جعل الضمير الغربي يهادن، بل ويساكن تلك المظاهر الشذوذية في الفكر والسلوك والمعتقد، وذلك أيضا ما جعل القاعدة الديمقراطية الغربية تنتهي دائما - وتحت ضغط الأقليات الفكرية والعقدية بما تملك من وسائل تأثير - بالاعتراف بالظاهرة الشاذة والمنحرفة والمتجاوزة للأعراف في المجتمع..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٩٧