تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الواقع أننا نرى اليوم فكرنا الديمقراطي - المستنسخ عن المجتمعات الغربية من دونما ترو وبضحالة تجعل كثيرا من مواده مجرد حيثيات شكلية يعوزها البعد الاجتماعي والنفسي في حياتنا المشرقية - إننا نراه ينادي بشعارات إهدارية غايتها الجلية هي الانتصار لأخلاقيات الأقلية أو الطليعية على حساب العرف والآداب والمواضعات التي تسير عليها الأغلبية، ومبررهم في ذلك شعور غروري بالاستنارة

إذ الاستنارة بزعمهم إنما هي شأن الأقلية المثقفة بثقافة الآخر والمتمرسة بأخلاقياته وبسيكولوجيته الاجتماعية والمدنية، فلذا توجب على المجتمع أن يسلم الزمام لهذه الأقلية تفعل به أفاعيلها.

وواضح في مثل هذا الطرح إرادة الوقوع المسبق في منحدر الاتباع المجاني، والفناء في شخصية الآخر، والإقرار بعظمته، وبالتالي بنموذجيته، وهو ما يتضمن بداهة احتقار الذات ونبذها.. وتلك هي الفصامية الخطيرة التي تعيشها نخبنا المتغربة كما سنرى.

ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد، انسياق الأقليات العرقية بتأثير التهييج الغربي الماكر، وبمبررات داخلية موضوعية أحيانا تتمثل في العنت الواقع عليهم من قبل الأنظمة، عنت قد لا يستهدفهم كأقلية ولكنه يطالهم ضمن المجموع ولكن بصور أشد، لانعدام الواقيات السياسية والقانونية والعصبية القادرة على التخفيف من الضغط عليهم. الأمر الذي يهيئ الاستجابة الإيجابية لتلك الأقليات إلى ما تدعو إليه التيارات المتطرفة واللادينية، ممن ترى أن الطريق إلى انتصارها على الأغلبية إنما يكون بضرب القيم والمقومات التي تلحم هذه الأغلبية، وهو ما يجعل من العقيدة والملة المستهدف الرئيسي لضرباتهم، إذ باختراق سور العقيدة يتيسر تتحقق الأهداف التفكيكية.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٩٦