تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن جهة ثانية كان انغماسه الروحي والقلبي في قدسية القرآن باعثا حاسما له لكي يستنبط رؤية استنقاذية حياتية يسوس بها أحوال الأمة ويقودها على طريق الانبعاث..

من هنا كانت معارضته الجذرية للسياسة بنمطها الوضعي المؤسساتي والكواليسي.

لم يكن النورسي آحادي النظرة، ولا كان استبداديا توجيهيا بالمعنى الشمولي (التوتاليتاري) ولكنه كان جماعيا من درجة الامتياز (ديمقراطيا بجدارة) يؤمن بالرأي والرأي الآخر، ويقول بالمخالفة، تلك المخالفة المنوطة بشرط الانسجام في الأسس وفي المقاصد البنائية، وليست مخالفة الشقاق والنفاق.

فلا أجدر بمن شاء أن يكون خادما للأمة ومنافحا عن حقها الديمقراطي، أن يكون متوافقا معها في الروحية والوجدان والأصالة..

إذ أن عليه أن يشاركها في إيمانها وروحيتها أولا حتى يتيسر بعد ذلك للأمة سبيل اتباعه والوثوق فيه على المطالب الدنيوية، لا أن يتعالى عليها ويعمل على جرجرتها إلى أرضية الكفر والإلحاد التي يقف عليها.

لقد آمن النورسي بالاختلاف متى كان ذلك الاختلاف مؤطرا بالإيمان.

ولقد وجدناه يشرح نص الحديث الشريف: (اختلاف أمتي رحمة). بما يتلاءم تمام الملاءمة مع روح الديمقراطية البناءة .

يقول: " إن الاختلاف الوارد في الحديث هو الاختلاف الإيجابي البناء المثبت، ومعناه أن يسعى كل واحد لترويج مسلكه وإظهار صحة وجهته وصواب نظرته دون أن يحاول هدم مسالك الآخرين أو الطعن في وجهة نظرهم وإبطال مسلكهم، بل يكون سعيه لإكمال النقص ورأب الصدع والإصلاح ما استطاع إليه سبيلا. أما الاختلاف السلبي فهو محاولة كل واحد تخريب مسلك الآخرين وهدمه، ومبعثه الحقد والضغينة والعداوة، وهذا النوع من الاختلاف مردود أصلا في نظر الحديث،حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل إيجابي بناء"(1).

(1) المكتوبات 423

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٩٢