ذلك لأن الغرب الرقيب عن أوضاعنا لا يمَكِّنُ من يمكنهم من أبناء الأمة إلا على حساب ووفق معايير، ومن أبرز معاييره أن يكون المختار في الجوقة شيطان الروح والعقل والطبيعة. متهيئا للفساد، مضربا عن التوبة، أعمى أصم أبكم لا تنفذ إليه التذكرة ولا يمس قلبه وعظ ولا تطال عاطفته نسمة تحسيس.. إذ لابد أن يكون من النوع الذي تتناغم مكونات نفسيته ومزاجه وضميره مع ما تترسخ به طبيعة البغي والاستبداد..
والحق أن هذا الرهط يتميز بقابلية عجيبة للحياة والصمود والاحتمال، وبقدرة على البقاء والتكيف مع كل المناخات، ثم إن الغرب حين يستزرعهم، فإنما يستزرعهم ضمن نطاق سجالات حرب الاستخبار والجوسسة، إذ أن الجهد قد بذل في الكشف عنهم وفي تمييزهم عبر النسيج الجماهيري العام..
وتتصاقب الجهود شأن الفيروسات وهي تهاجم الخلية الحية، تكثف الهجمات عليها من كل جانب إلى أن تنهار فيسترسل الفعل الهجومي إلى غيرها، كل ذلك ضمن جو من الإنعاش تتحكم فيه الأجهزة الصناعية المبثوثة خارج جسم المصاب أو المحيطة به والموصولة معه بشتى الوسائط.. ويسند للبيادق - عادة - من الأدوار ما يكون تأثيره توجيهيا وغير مباشر، حتى إذا ما اكتملت شروط الإنضاج التي يتطلبها المخطط، دفع بهم في الموقع الاجهازي، وما أكثر ما صفقت الجماهير لدمى خبيثة ولخيانات مقيتة ولسفيانيين مكرة..
5- الديمقراطية
استوعب النورسي معنى السياسة من خلال مستويين إدراكيين أثّرا في نفسه وصاغا مواقفه ورؤيته السياسية التي جسدتها رسائله.
فمن جهة كان تمرسه الكفاحي واندماجه في الحياة القومية والملية قبل الحرب الأولى وأثناءها وبُعَيْدَها، تجربة كافية لتبصيره بحقيقة السياسة كما رآها تمارس على أيدي دوائر الحكم والسلطة، خاصة بعد أن جنحت الأهواء بتلك الدوائر فراحت تطابق بين أحوالها وأحوال مستجلبة من الغرب.