ثم ما أن تأنس له القلوب وتطمئن له الصدور، حتى يشرع في الحيد عن الجادة، لكن بتسويغات موصولة كلها بالمبادئ، فهو يشرع في تحليل الحرام ضمن ما يصطنع من أجواء تجعل الأمر ضرورة ظرفية وعابرة، ثم يسترسل في تمضية أوراقه، وفي كل مرة وحين يسوغ لها توجهه المنحرف بما يحول دون حدوث الصدمة ورد الفعل السلبي، حتى إذا ما أحكم القبضة على العنق، وامتلك القطاعات التي استلبتها دعايته وألجمتها أياديه السوداء، جاهر بحقيقته، وكشف عنها، وزين مُثلها، وأحلها محل مُثل أصيلة كانت الأمة قد انطلقت أصلا لتبعثها وتستردها، لكن اللعبة الماهرة للعدو قد لبَّست عليها بالكيد والتضليل والقسر والإكراه، فجعلتها تنسلخ بإرادة أو بغير إرادة عن روحيتها لتعتقد مثلا اجتهادية أخرى وعقيدة وضعية بديلة ..
إن هذه الحال التنويمية قد ظل الاستعمار الغربي يسلكها ويتابع تنفيذها ضدنا في سائر الأقطار والبلاد التي احتلها واستولى عليها مباشرة أو غير مباشرة..
فسياساته مع بلداننا الإسلامية كانت سياسة التفرقة، تيسيرا لشرط الغلبة والامتلاك..ثم تنوعت أساليب تَحَكُّمِهِ فينا، إما عن طريق الحماية أو بالاحتلال المباشر.. وفي كلتا الحالين كانت أدواته المتنفذة هي قوى الاستيلاب والردة والخيانة..
لقد تحدث النورسي عما يتحلى به "السفياني" (1) من ذكاء خارق ومن قدرة على تعبئة الفطنة والعقل النفعي والبصيرة المحكومة بالمقاصد الفئوية ..
بل لقد قرر النورسي أن الظهور العقلي والدهائي الذي يتميز به السفياني أمر ثابت، لكنه ظهور مصروف في طريق التخبيط الشيطاني .. طريق الانحراف، تعززه نوازع الشر الكامنة في الإنسان والمتأهبة للتألق في مضامير الفساد والتهتك والدناءة ما أن تنطلق تلك النوازع من عقال الفضيلة. وأي فضيلة هناك؟
(1) وردت أحاديث كثيرة بحق دجال المسلمين الموصوف بالسفياني، أوردها المترجم في ص387 من الكلمات.