لقد انقلبت السجايا في ظرف قصير، وكانت الردة وكان الارتكاس.. وكل ذلك لأن الأداة التي كانت مهيأة - بالفعل - للتغير البناء، قد أديرت لتحدث التغيير الهدمي، وهو ما سبب كل ذلك الدمار الذي عصف بمعالم الحضارة جملة وتفصيلا في البلاد، وزج بها في غياهب الكفر والردة لولا لطف من الله وجهد الأصفياء وفي طليعتهم الولي الصالح النورسي.
ترى هل الجهاز العسكري العثماني انقلب فجأة لمجرد أن رد العدوان الخارجي إلى عدو للمثل والحضارة والدين؟
ليس من المقبول ولا من المعقول أن يقع التغيير الجذري في قطاع منظم كقطاع الجندية لو لم تكن جهة التنفذ والتوجيه مهيأة لذلك مسبقا ومبرمجة لتنفيذ التحول ..
لقد ظلت الجندية على مر العصور والأطوار هي واسطة التغييرات الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية، فالأمم والشعوب محكومة أبدا بعسكريتها.. وكل انعطاف أيجابي أو سلبي يطرأ على مسيرتها إنما تقف وراءه مباشرة أو غير مباشرة القوى العسكرية، القوى البكماء كما تُعْرَفُ.
ذلك لأنها هي القطاع الوحيد الذي يتوفر على خصوصية التنظيم العضوي والانضباط الآلي، فالوحدات في انتشارها عبر مراكزها وبمختلف تركيباتها إنما تخضع لأمر واحد، وتنفذه بغاية الانصياع حتى لكأنها يد واحدة تضطلع بالتنفيذ والاستجابة.. على عكس حال قطاعات المجتمع وشرائحه المدنية، فهي وإن تجانست في وظايفها وفي أوضاعها ومقاصدها، فإنها لا تتوفر على شرط الحركة الآلية التي يكفلها النظام العام الرابط بين المجاميع..
ولما كانت أمتنا مستهدفة جراء حملها لعقيدة من أخص خصائصها أنها عقيدة تكفل الحياة لمن أخذ بها شريعة حتى ولو كان ذلك الأخذ شكليا، لأصالة جوهرها ونفاذه في الأعماق وسوقه للإرادة في اتجاه السلامة .
فقد ظلت العقيدة الإسلامية مرمى لغارة المدنيات الأرضية وخاصة منها الكتابية المحرفة والتي نظرت إلى الملية الإسلامية - على مر العصور- نظرة الحقد والحسد والخوف...