قيَّمَ النورسي المسيرة، وسجل العبرة، وأدرك أن قطاع العسكرية الذي راهن عليه قد أفلح في تأدية واجبه الدفاعي عن حمى الوطن وصون شرف الأمة، واعتبر النورسي ذلك تصديقا لتقديراته الإيجابية السابقة عن الجند العثماني، لكن النورسي سجل - من جهة ثانية - وبمرارة وتفجع، المآل المؤسف الذي آلت إليه المؤسسة العسكرية حين انساقت لأهواء الاستيلابيين والمتغربين، أولئك المدسوسين الذين لا شرف لهم ولا شأن في سجل التاريخ، إلا التردي والانبخاس والاسترخاس، إذ انقلبوا على أعقابهم وتحولوا بالجندية إلى أداة طيعة مدجنة يركبها الممسوخون من ربائب الاستعمار ويمررون بها ومن خلالها قيم التحلل والتفسخ والتهتك، مستنسخينها عن الغرب العدو، ناسخين بها مدنية القرآن الوهاجة، تلك التي ما كان لمدنية أخرى أن تنافسها لولا نكوص عن الحق وابتعاد عن التعاليم..
لكن لماذا كان النورسي يولي كل ذلك الشأن للجندية ؟
من غير شك أن الجندية كانت تمثل أمامه القوة المؤهلة للانبعاث، فقوامها شباب الأمة، وروحيتها الفتوة والنظام والنهوض، إذ الأمة كانت مثقلة بسبات الدهور المظلمة، وكانت نفسية النورسي تمور بمُثُل الانبعاث، فقد تناغمت أصداء لصيحات انبعثت هنا وهناك توقظ الأمة، لكن السدور كان مطبقا .
ثم إن النورسي رأى من جهة أخرى حماسة الاستقلاليين تحدث تجديدا كانت شعاراته توافق أحلام الانبعاث لديه، الأمر الذي جعله يطمئن في الانبعاثة. لكن الخيبة والصدمة الكبرى جاءته من حيث وثق .
فالعسكرية التي انتزعت الاستقلال هي ذاتها التي راحت تدوس قيم الاستقلال وتتنكر للحريات وتكفر بالمثل التي كانت تدين بها الأمة..