وعاش النورسي مراحل ما بعد الحرب مرابطا في ساحة السياسة، شاهرا سيفه، يقَوِّمُ المواقف ويرسي رؤيته النظامية ويستجيش الصفوف، ويستبين مواقع النبو في الفكر والعمل والتخطيط، وحين وثق من ثبوت الخيانة، استكمل طريقه على خطاه التجندية التي لم يتخل عنها يوما..
لقد كانت عقود حبسه المرحلة التي تحول فيها، ليس فقط إلى جندي مرابط يقضي وقته على مستشرف من الأرض يراقب ويتشوف حركة العدو ويستنبط من الوسائل ما يحميه من الوقوع في قبضتها .
كلا، لقد تحول إلى قائد عام للأمة يصاول عليها في ميدان اعتراكي حقيقي، ويخوض معها نضالا مريرا، غير متكافئ القوى، حامي الوطيس. لقد مكنت النورسي روحه التجندية من أن يصمد في وجه القهر الأعمى وأن يخترق السدود المقامة بينه وبين الأمة، وأن يفتح سجل الاكتتاب القدسي للأطهار، وأن يجند الفيالق المجاهدة، وأن يصقلها بتعاليم لم يكن القصد منها قط، فك الحصار والظفر بإمكانية الخروج من الطوق والانسحاب بسلامة الجسد..
كلا لقد كان من غايات ذلك التجنيد الجماهيري الباهر ايجاد الشروط الكافية والمكينة لدحض قوى البغي بصورة نهائية، وعلى مدى لا أهمية لحجم تضحياته ما دام النصر سيكون حليفه. لقد شق الطريق لبناء المدنية القرآنية التي ستنضبط في كنفها عقارب زمنية الهدى كما شاء لها رب العالمين أن تكون.