فروح النورسي روح عسكرية بجبلتها، وهو ما تكشف عنه محبته الشديدة للنظام والانضباط وأخذه بمبدإ الصرامة في الحياة وبالدقة الكبيرة في استغلال الوقت .. بل لقد ظلت جبلته العسكرية تعرب عن نفسها من خلال التجسيدات المجازية والاستعارية التي كانت تتقمصها نصوصه وتعابيره وخطبه.. فأدبية النورسي كانت تستمد مادتها - كما سنرى لاحقا - من وجدان يعتد بالنظام، ومن مشاعر متفتحة على الانضباط، ومن عاطفة ترى في الجندية خير إطار تأهيبي يتيح للإرادات المتعددة أن تتظافر وتنصهر في إرادة واحدة قوية وخارقة..
لقد أحب النورسي القوة، ورأى مجال تحققها يتم على صعيد الجماعة المنظمة، وكانت الجندية هي الصعيد الذي كان يجد فيه مبتغاه النفسي ماثلا: القوة والنظام والدقة وتحدي الصعاب وقهر الضعف..
عاش النورسي جنديا من غير أن ينخرط في المؤسسة العسكرية بمعناها الوضعي والرسمي، فقد نزعت به حميته البطولية إلى أن يتخذ صفه حين كان يدرس في بعض أكوار الجهات الشرقية، مرفقا للتدريب الحربي والتمرس بالقتالية، إذ حول طلابه إلى جنود وفدائيين مسلحين ومتأهبين لخوض غمار المعركة ضد العدو الملي، فلما اجتاح العدوان بلاده، كانت فرقته الطلابية في طليعة المتصدين، وكان الضحايا منهم يتكاثرون، وقد رجحت بسالتهم الفذة الكفة حينا، وأعاقت حركة العدو حينا آخر، وحمت الانسحاب حينا ثالثا، لتجد ما تبقى من عناصرها في النهاية، وعلى رأسهم النورسي، يواجهون بصدورهم الموت ويقعون في قبضة العدو نازفين..
لم يكن النورسي ليأتي هذا كله لو أنه كان مجرد مثقف نزاع إلى السكينة، جانح إلى العافية المادية ولو على حساب الذمة والأنفة كما هو السائد في أوساط من المثقفين. لقد حارب النورسي لأنه كان يحمل روحية جبلت على الحمية ورد الضيم وصون الشرف..