فإذا كان المنهج التعليمي النوري قد بنى فلسفته التعليمية على تثمير رشيد للزمن والقصد في استغلال سيولة الوقت، وهذا بالتركيز على المصادر التعليمية الأم، الكتاب والسنة، ربحا للوقت، وتحصينا للروح بإسمنت السماء الذي لا يبلى، فكيف يتسامح هذا المنهج مع الرؤية اللاهية التي تهدر الجهد وتعرض النفس والروح للامتهان والابتذال ومواجهة عناء الآثام، وهي ببرنامجها الرباني في غنى عن الدخول في الابتلاءات بمحض إرادتها..
ولا عجب أن نجد النورسي نفسه - وانسياقا مع رؤيته التجنيدية هذه - يتخلى عن مشاغل فكرية وروحية كان يزاولها في بعض مراحل حياته، مثل حساب الأبجد والجفر. فقد كفّ النورسي عن ممارسة هذا الجهد، لما رأى فيه من تعطيل وإعاقة للعقل والروح حيال أولويات استنباطية أخرى أكثر لصوقا بالواقع وأكثر ارتباطا بشؤون المسلمين الدنيوية والأخروية..(1)
فإضراب النورسي عن تعاطي هذا اللون المعرفي الذي كان يعد علما عتيدا في منظومة علومنا الإسلامية، إنما يندرج ضمن رؤية التحصيف المعرفي التي رتب بها النورسي برنامجه الروحي والمعرفي في تلك المرحلة الحاسمة من حياة تجدده، والتي شملت الكف عن قراءة الجريدة وعن ارتياد الأماكن العمومية وعن ملاحقة أصداء الحوادث التي لا تدخل ضمن بؤرة الهم الإسلامي في نضاله ضد التخلف والميوعة..
وهكذا وجدنا النورسي في مواطن متعددة من رسائله يكرر التحذير من مغبة الانسياق وراء الملهيات الإعلامية والعمومية التي كان يرى خطورتها تشتد على النفوس بحيث لا تلبث أن تتحول عندهم إلى ما يشبه (الكيف) يسلب ويورط في آفة الإدمان.
لقد قدر النورسي حاجة الإنسان إلى الاستجمام، لكنه ضبط تلك الحاجة بمقدار تنشيطي لا يقعد بالنفس عن واجباتها ومسؤولياتها:
(1) انظر اللمعات 57