لقد قدر النورسي مخاطر اللهو ونظر إليها في صورتها التي كانت تمارس بها في الأزمنة القديمة، وكذلك قدر مخاطرها المستشرية على نحو ما نشهده اليوم، إذ شملت الجرائد الماجنة والرياضات الفاضحة والفنون السمعية البصرية المستغوية. وها هو يبين الفروق الحاسمة بين الانشغال بالملاهي المدجنة للإنسان والاشتغال ببدائل روحية تحيي النفس وتذكي العقل والبصيرة:
" اسع أيها الإنسان أن لا تشتغل بلهو لا معنى له وبلعب لا طائل من ورائه، كالانشغال بالحاكي والحَمَام والببغاء، بل اسع في طلب لهو من ألطف اللهو وأزكاه، وتسلى بتسلية هي من ألذ أنواع التسلية.. فاجعل الجبال كالحاكي لأذكارك كما هي لسيدنا داود عليه السلام، وشنف سمعك بنغمات ذكر وتسبيح الأشجار والنباتات التي تخرج أصواتا رقيقة عذبة بمجرد مس النسيم لها وكأنها أوتار آلات صوتية.
فبهذا الذكر العلوي تُظهر الجبال لك ألوفا من الألسنة الذاكرة والمسبحة وتبرز أمامك في ماهية عجيبة من أعاجيب المخلوقات. وعندئذ تتزيا معظم الطيور - كأنها هدهد سليمان - بلباس الصديق الحميم والأنيس الودود، فتصبح خداما مطيعين لك، فتسليك أيما تسلية وتلهيك لهوا بريئا لا شائبة فيه، فضلا عن أن هذا الذكر السامي يسوقك إلى انبساط قابليات ومواهب كانت مغمورة في ماهيتك، فتحول بينك وبين السقوط من ماهية الإنسان السامية ومقامه الرفيع، فلا تجذبك بعد أضراب اللهو التي لا مغزى لها إلى حضيض الهاوية "(1).
(1) الكلمات288.