ثم يبين الزلل الذي وقع المسؤولون فيه عندما أقاموا سياستهم الثقافية انطلاقا من قياس مدمر، إذ قاسوا الريف على المدينة، وقاسوا المدينة على ما يروج في الغرب: " لقد أوقعتم الرأي العام والأفكار السائدة في مستنقع آسن بقياسكم الريف باستانبول، وبقياس استانبول بأوروبا"(1).
لقد كانت الأخلاق تتردى بتردي وسائل الترفيه ووسائط التوصيل في وحل السفه والمجونية.
بل لقد غدت تلك الوسائط تمارس فعلا تأثيريا استبداليا خطيرا بنفاذها إلى مواجد المتلقين لا سيما الناشئة والنساء والقطاعات الواسعة من الجمهور فتستهويهم وتستلبهم وتضحى عندهم بمثابة العبادة التي لا تفوَّت والواجب الذي لا يترك .. لقد تحولت المقابلات الرياضية الأسبوعية مثلا، إلى مناسبة جمهورية مشهودة تمارس الفعل التهييجي على روادها. ونفس الأمر يقال عن المسلسلات.. وليت هذه المسلسلات تطعمت بمستوى من التذكير الروحي، الإيقاظي، وتوجهت في إطار حدثي لا يكرس الغفلة عن الدين.
لقد أهاب النورسي بالإنسان أن لا يقع في تبعة اللهو المجاني، وأن يصون نفسه عن أذى اللغو وغيره من المشاغل الاسترواحية الخادعة والتي تنطوي على كل ما يقتل في الروح قبسها ويُطفئ فيها حيويتها ويُخْمِدُ جذوتَها.. إن المشاغل الترفيهية إذا ما استدامها الإنسان فستتحول إلى إدمان يورث السفه والحمق والبلادة ويقزم الرؤية ويحصرها في زاوية استيلاب محددة، إذ تغدو اللعبة هي مدار حياة الإنسان ومشاعره، تنسيه نفسه وواجباته وتقطع أواصره مع آفاق أوسع وأوطار أرحب خُلِقَ الإنسان ليلمسها ويعرفها ويكرس إرادته فيها، لا أن يتعلق بنطاق من اللهو العقيم.
(1) سيرة ذاتية 101