تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما لا ريب فيه أن سبب التمسك بمنهج الأجداد التعليمي هو استحكام روح التقليد التي اكتسبت في خلدنا الجمعي قيمة قدسية وعربون مبرة ووفاء نحو تراث الأسلاف.. فالتقليد العقيم قد ترسخ عندنا بمبررات واهية تستجمعها عاطفة سطحية تريد أن تتخفف من احباطاتها الحضارية بادعاء السير على هدي السلف.. جهلا منا بأن السير على هدي السلف لا يقتضي أن نتقزم بعقولنا ومداركنا وطموحاتنا حيال ما أنجزوه لنا بعقولهم ومداركهم ومطامحهم. فالزعم بأننا بتكريس التقليد السلبي نسير على هدي الأسلاف هو افتئات عليهم وخيانة لهم وكذب صراح على الذات.. إذ شتان ما بين الهمة والهمة، وبين الحمية والحمية.

لقد جدد النورسي حين دعا إلى إعادة قراءة التراث ولكن ليس بعين أصحابه، وإنما بعين تمحيصية قرآنية .. إنها دعوة إلى الرسالة الشاملة التي رأيناه يمارسها حيال وعيه بالحضارة والتاريخ..

فالنورسي في هذا المضمار يريد ليس فقط تسديد التراث من خلال تقويمه على مسطرة القرآن، ولكنه يريد أن يصل إلى ما هو أعمق من ذلك، إلى التمرس وإعلاء نظرتنا لذلك المرصود العتيد الذي يعد جزءا منا، وبالتالي فإعلاؤنا له هو إعلاء لذاتيتنا، من خلال مراجعة وترشيد المعايير التي تشبث بها ضمير المسلم حينا، في كنف اجتهاد ثبت حقا أنه كان في كثير من منجزاته اجتهادا دفاعيا، حاجيا، اضطراريا، تصونيا، أكثر منه اجتهادا تعميريا وتوسعيا وإنجازيا وكسبيا..

فالنورسي دعا إلى وجوب تطويع رؤية المسلم وجعلها رؤية مدنية تربط روح المسلم وعقله بالثابت من المقومات، ضمن صيرورة الأخذ بالمستجد من المكاسب الدنيوية وصقله بصقالة الثوابت، إي بالمعيار القرآني.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٧٧