إن الجبهة الأخرى التي ناضل عليها النورسي كانت جبهة النفس الأمارة، فكان عناؤه في إلجامها كبيرا، إذ كان شيطان الهوى لا يفتأ ينجم بقرنه فيكدر المهمة ويبلبل الإرادة، لكن النورسي المتسلح بسلاح القرآن كان لا يعتم أن يهزم الأهواء في ساحة النفس ويردها على أعقابها كسيرة . أسعفه على تحقيق ذلك النجاح قطعُه الباتُّ للرجاءات الدنيوية واعتصام بالإيمان بالله خالص لا يقايض، وحب للإنسانية صميم غير مدخول.
2- النُوْرْسي مجدّد القرن
كان النورسي تجديديا على مستوى نظرته للزمن والمدنية والسياسة، فهو كان على وعي بأن المنازلة الحقيقية هي التي تراهن على القابل، لأن استرداد المكاسب المهدورة من المجد والمدنية لا يتحقق بالمناحة على ما فات أو بالبكاء على ما ينزل بنا من مآس، بل يتحقق إذا ما عقدنا العزم على إنجاز الرهان الانبعاثي وباشرنا العمل في إطار من الإيمان بالله والتوكل على أنفسنا وذكائنا وقدرتنا على استغلال إمكانيات العصر وما تتوفر عليه أوطاننا من طاقات لا تقدر.
كما أنه تجديدي في المنهج الترشيدي وفي المادة العلمية والمعرفية التي ينشرها والمرتكزة أصلا على القرآن العظيم، المصدر الرباني الذي ينبغي أن يضبط رؤيتنا البنائية، وهذا بتجاوز تلك المقاربات النمطية التي واظب على اعتمادها الأجداد .
لقد استهلكت تلك المقاربات مقدراتها التفتيقية وأضحى واجبا علينا تجديدها وإلا وقعنا في المحظور وألحقنا الإساءة الفادحة بالقرآن العظيم المتجدد مع الزمان والمكان.