بل إننا نجد أن حياة النورسي وهي تنداح به على مدارها القدري المرسوم قد انشطرت شطرين إذا أمكن القول، شطر الفتوة والشباب وهو مليء بالحيوية والتدفق والإسعادات، وشطر الرجولة والعجز وهو مفعم بالكآبة والإحباط والطعنات.
حقا لقد سلخ شطرا وافيا من حياته متقلبا بين المنافي والمعتقلات والحجر والمعاناة الصحية والمحاكمات. الأمر الذي لم يتح له أن يسعد بشيء من لذاذات الحياة، أدناها وأبسطها أن يكتنفه جو الأسرة ويحيطه دفء الحميمية.. لكنه سلخ شطرا كاملا من حياته محروما من الهناءة والقرار، الشطر الأجنح إلى السكينة وإلى الدفء وإلى احتضان العش الأهلي والقرابة الرحمية. فحظه من هذا الجانب يعد فاجعا حقا، ومن كان هذا حظه من الحياة، فلا جرم سيغادرها وفي أعماقه جوع لا يملؤه أي ضرب من أنواع التجمل مهما جهدت النفس في التعزي والتأسي.
لكن النورسي- كما نجزم - قد غادر هذه الوجود الدنيوي على أشد ما يكون سعادة وحبورا، لأنه ظل على يقين، ومنذ أن دشن مشروع الرسائل، بأن حياته قد كسبت حق الخلود.
" إذا مت، تزداد خدمة النور للقرآن والإيمان، وتتوضح وتتبين بإخلاص أتم، بلا حساد ولا اتهامات، فضلا عن النجاة من آلام التكلف الثقيلة المقيتة، والخلاص من أثقال العجب وأضرار التصنع بدلا من ذوق جزئي موقت لا أتحراه -في هذا الزمان- ولذة ناشئة من رؤية فتوحات النور بنظر الدنيا" (1).
عراك النورسي تأتّى من حيث ضم جوانحه على روح أبيّة، إذ أن روحه تشبعت بمرصود أخلاقي وتمرسي قرآني تناغم مع الاستعدادات التي هيأها الله له، فكان لها من ذلك التناغم النفسي - النوراني، تلك الكفاحية التي ظل دائما ديدنها أن تواجه الظواهر وأن تجابه الأحوال.
(1) الملاحق 294