ومن جهة أخرى علينا أن ندرك أن النورسي حين اختار أن يكون ذلك الطريق الإبتلائي وجهته، لم يكن يصدر في ذلك عن اعتباطية واستسهال للأمور ومجازفة حمقاء بالمصير، ذلك لأنه كان عليه أن يأخذ إحدى الوجهتين، إما وجهة الانقياد لظروف الحياة والتسليم لمجرياتها وركوب العربة التي تنحشر فيها الجموع، وإما أن يعتصم بقلعته وأن يعصم طبيعته التي جبلت على التفرد والتميز و الريادة والسؤدد.
من الواضح أن الاختيار الأول هو الأيسر والأدنى إلى النفس متى كان الإنسان عاديا وغير مسكون بطاقة قدرية انبثاقية، إذ أنه النهج الطبيعي الذي ينخرط فيه كل إنسان حيث تتفتح روحه على إيقاع هذه الحياة وتتكيف بالتطبع والتدرج مع شروطها وضوابطها وتعيش تجربتها العادية ما بين إحداثيتي الحياة والموت بتوفيق يتفاوت بتفاوت الناس وحظوظهم وكفاءاتهم...
لكن النورسي لم يختر الطريق الاعتيادي، كما أنه لم يجازف باتباع ذلك السبيل - الذي اختاره - عن هوى ومغامرة.. لقد كان ذا نفس متميزة، حملت كما أسلفنا همة لم يكن يسعها أن تهادن الواقع المحنط الذي كان يحيط بها من كل جانب، لذا كان حتما أن يسير على طريق الثورة، وأن يختار المواجهة الحاسمة، وأن يشن حربا إصلاحية شاءها أن تكون كونية، عدته اللوجيستيكية قاهرة أبدا في كل حرب دخلتها ضد الشيطان : القرآن العظيم.
ولم يتهيأ النورسي لخوض المعركة الحاسمة إلا بعد أن استكمل اليقين وعبأ مقدراته الروحية والنفسية ووجهها نحو الميدان وواجه بها الأعداء الماثلين والغائبين، لقد خاض منازلة لا مجال حيويا لها مفضلا، لأنها شاملة، إذ اختارت استراتيجية المستقبل، وراهنت على الإنسان المسلم الذي ستُشَرِّع خدمته للشريعة أبواب التمدن والسعادة في وجه العالمين، وعلى كل صقع في هذا الكون.
فالامتحان الذي بلاه النورسي بتفوق كان امتحانا مزدوجا، وقد جعله تفوقه الرائع الذي تحقق له على مدى قصير يحتل صدارة لا يحوزها إلا الأولياء.