فمقارعة النورسي لم تكن سلوكا نفوريا إزاء الآخرين، بل كانت استصفاء حصيفا للإرادات المهيأة للجهاد، وذاك ما سيتجسد -أروع ما يكون التجسيد- على صعيد الرسائل، إذ من خلالها حضن النورسي الناس جميعا وضمهم إليه، حتى الآثمين، ومسح على رؤوسهم، تاركا لهم فسحة التوبة والاندماج في جماعية كبرى، لا قيّم على بابها إلا القيّم الشرعي، القرآني، والسماحة الربانية التي لا تضاهى.
قساوة الإعتراك
ومما لا شك فيه أيضا أنه نال من الاعتراك الشيء الذي لم ينله إلا قليل من الرجال، من حيث جسامة المعاناة وفداحة المكابدات وعلقم المرارات التي تجرعها، ومع ذلك ظل موفور العزة قوي النفس، يتمادى كبرياؤه الإيماني وأصالته الثباتية مع المراحل إلى آخر العمر، بل إلى الساعة التي وافاه فيها الأجل المحتوم.
فلقد كانت واقعة وفاته ذاتها من بعض وجوهها ترمز لحمية روحية ونفسية تعارض أن تسقط، وتتأبى عن الوقوع. لقد دفعته حمية الحياة، وحمية التصدي، وحمية الاحتمال المتأصلة فيه والكامنة في روحه إلى أن يرحل وأن يقطع - وحشرجة الموت تكتم أنفاسه - مئات الأميال، في رحلة لا وجهة لها، لقد حملت تلك الواقعة الاستثنائية عديدا من الدلائل، من بينها إرادة المقاومة، والاستمرار، ومواجهة الموت واقفا، وملاقاة الله على درب السعي والحركة.
لكن الاعتراك الذي عاناه النورسي وتجشم ويلاته هو اعتراك الرجولة والقوامة والشمم. وقد وسعه أن يصمد لكل ذلك البلاء كونه من جهة يحمل من الإيمان ما لا تستطيع معه أية قوة أن تنال منه، ولأنه من جهة أخرى عارك المصير الامتحاني وهو مبرأ من كل شائبة نقص أو قصور تخنع بها النفس حين المواجهة أو لدى اشتداد الوطأة وتلاحق الأذى عليها، كما سنرى في حينه.