أجل، لقد تزاوجت لديه البواعث المحركة لتجاوز حال الاعتقال: النفس الثورية الجامحة جبلة وبفعل القهر، والنزوع التدبري المستثار بوطأة الحبس، والحلم الوجودي والحضاري الذبيح .وهكذا تهيأت الظروف لميلاد الحدث النوراني العظيم.. إذ أنجز الاستغراق الزمني الطويل الذي كانت ظروف الحبس تغذيه بالمحرضات النفسية والمزاجية ذلك الإطار الروحي والفكري العتيد، وانتسجت اللوحة العجيبة، خيطا، خيطا، بل فتلة فتلة ولونا لونا، بكل صبر وبكامل التؤدة والأناة.. لقد فجر النورسي قنبلته النووية بعد أن هيأ لها من الشروط والاستعدادات ما هيأ، ولقد رفع شعار السلام السلام، فمصنع القرآن النووي مهيأ للأغراض السلمية ولخدمة الإنسانية لا غير.
وربما اعتقد قائل أن انسحاب النورسي كان أمرا مقضيا بالنظر إلى ثوريته الفطرية، فهو بطبيعته ينبو عن مساكنة المألوف والمعهود والنسقي، لذا سار على ذلك الطريق الذي ظل يسير عليه منذ كان.. حتى في طفولته، إذ شذ عن الأقران..
إن هذا الاعتراض مردود، تفنده صيرورة الوقائع نفسها، فالنورسي ظل يحمل راية الإئتلاف والاستقطاب حتى حين كان يبحث عن من ينازلهم علميا زمن شبيبته، فالحدث الفكري التناظري كان يتضمن في ذاته دعوة صريحة إلى الاجتماع والائتلاف، لكنه اجتماع وائتلاف يقوم على أسس رؤيوية مغايرة كليا لتلك الكيفيات المعرفية البالية التي تقوض بها صرح المدنية الإسلامية، والتي كان الوهن والخمول والإعتيادية المقيتة من صفاتها، إذ كانت تزين للناس أن يواصلوا الاصطلاء على رماد الاستسلام، غاية استبسالهم الظفر بغلبة تأويلية في مجلس فقهي، استعراضي، ساذج..