وحين تغيرت الأوضاع بعد الحرب وأخذت تستتب على واقع رجعي، انعزل النورسي ولاذ بالوحدة، ولم يكن في وسعه إلا أن ينعزل، لكن شراسته الثورية كانت تفزع الخصوم، فلم يترددوا في فرض العزلة عليه وجعلها حبسا مؤبدا، وكان النورسي مرشحا أن يعيش العقم التام، إذ جردوه من أهم شرط حياتي تستجيب له طبيعته، شرط الاحتكاك والتواصل الفكري مع الآخرين، ولم يكن يخطر بخلده أن الحبس سيهيئ له مجالا بنائيا ربانيا لا يُسامَى.. فمن طبيعة المنتكسين في أحلامهم أن يعكفوا على التعزية الروحية، وهو ما يجعل النص القرآني مجال سلواهم، لكن النورسي لم يكن في حاجة إلى أن يرتد إلى القرآن بخلده أو بوجدانه يتسلى به ويتسلح، إذ القرآن منذ وعى نفسه ظل غذاءه ورداءه ومتعته التي لا تشغله عنها متعة أخرى، فأنّى له أن يحقق في حبسه انجازا ذا معنى، لاسيما وأنه بلا ساعد ولا واعد.
فالكتابة التي هي العون الحميمي، التلقائي، للمثقف في اغتراباته واعتقالاته ووحشته، كانت فاعلية تكاد تكون معطلة عند النورسي، فخطه السيء، والبطيء، لم يكن ليغري النورسي بالإبحار في تجربة المصابرة والتعزي ونشدان السلوى بمساكنة الحرف، ثم ما عسى نفس فطمها إيمانها عن اللغو وعن استعراض تفاصيل الذات أن تقول أو تكتب؟ كما أن انشداد الروح إلى التأمل الصامت والتحرى المكنون والتدبر الشاخص الذي كان بعض ما يطبع نفسيته كأثر للمنزع التصوفي الذي شب عليه، لم يفلح في استجرافه إلى مجال الذهنية البحتة والتجريد القح والتبتل الروحي الذي يدمن الإصغاء إلى سنفونية الصمت وما يعج فيها من أصوات مسكرة.. من هنا عاش التمزق، ومن هنا كانت الانبثاقة النورانية التي سيكون لها انعكاس تفجير القنبلة النووية من غير ما إنذار..