تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرسائل كانت الإنجاز الروحي والفكري والمعرفي الباهر الذي فك به النورسي عن نفسه الحصار والعزلة، ومد جسور التواصل مع المجتمع ، بل ومع الأمة قاطبة حتى في تعاقب أجيالها. فقد حقق من خلال الرسائل ذاته، لا على أساس نرجسي أو تعويض قصوري أو مطمحي زائل،إذ الرسائل إنجاز من عمل العقل الباطن أو الروح الاستبصارية الجياشة، بدليل أن النورسي لبث يؤكد أنه كان يكرر قراءة الرسائل قراءة مستكشف، أو كمن كان أجنبيا عنها..

لقد أنجز النورسي رسائله القرآنية بتوفيق رباني ثابت، ذلك لأنه عندما قرر أن ينجو بنفسه المؤمنة وأن يقصيها عن القطيع، كانت دوافعه في ذلك هي روحه المفعمة بالإيمان وجبلته المشتحنة بالأنفة والتأبي عن التدجين والرضى بالدنية..

وواضح أن النورسي لم يكن يتوقع أن عقود الحبس ستتمخض عن تشييد ذلك الصرح الروحي القرآني الذي هو رسائل النور، إذ لم يكن مهيأ لذلك الإنجاز على أكثر من صعيد، فهو من الناحية الفكرية كان صاحب عقلية خطابية جدالية، فهو خطيب مرشد، ميداني، عملي، ولم يكن ذا نزعة نظرية طاغية نجدها تجنح - عادة - بأهل النظر إلى طلب العزلة والسكينة وإدمان التأمل.. إنها صفات لم تتعمق في حياة النورسي قبل مرحلة العزلة.. وهو من الناحية النفسية لم يكن شخصية انعزالية تحضن بيض فكرها في دفء الخلوة والسكينة والانقطاع كما هو شأن أغلب المفكرين.

" إن أكثر أحداث حياتي قد جرت خارجة عن طوق اقتداري وشعوري وتدبيري، إذ أعطيت سيرا معينا ووجهت وجهة غريبة لتنتج هذه الأنواع من الرسائل التي تخدم القرآن الحكيم" (1).

لقد كان شخصية اجتماعية راسخة لا تجد أكسوجينها إلا من خلال تفعيل أواصر الجدال والمحاورة. ولم يكن النورسي - آنئذ - محتبس الروح في مزاج نفسي ديدنه الانغلاق التأملي السلبي، بل كان شخصا استقطابيا، مبادرا.

(1) المكتوبات 484

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٧٠