تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمكننا التأكيد على صعيد آخر، أن هناك ترابطا عضويا في شخصية النورسي بين منازعه الفكرية والروحية وبين خصائص تلك الشخصية، وفي هذا النطاق يمكننا أن نصل ملمح القوامة الرجولية البارز في نفسيته بالنزعة التجريدية التي تميز فكره والتي أخذت طابعا روحيا قويا.

ومن الملاحظ أن طاقة التدبر والاستجلاء التي تميزه أخذت أحيانا صبغة تحليل رياضي، وتلك حال لا تعكس فقط طبيعة الاقتدار الفكري والاستبصاري التي يصدر عنها ولكن أيضا طبيعة القوامة الرجولية التي تتميز بها شخصيته، إذ أن نزعة التمرس بالتحليل نزعة تنم عن قابلية جوهرية في شخصيته، هي قابلية القوة والمكابرة والتحدي ومواجهة الصعاب. فالتحليل - بما هو تفتيت وإخضاع وإفناء وسيطرة ذهنية وعقلية - هو المعادل الموضوعي لروح الغلبة والظهور التي تسكن جوانح النورسي.

ومن جهة أخرى يمكننا القول إن قوة التمثل العقلي كانت وراء حدية مواقفه، فهو يرى في القرآن ما قد لا يرى غيره فيه، يرى فيه أكوانا وانبثاقات وقوانين لا تفتأ تغمره وتجتاح نفسه هو بالذات، فلا يزداد بها إلا إيمانا وتطاولا على ما سواها من فذلكات التجريب البشري التي لا تتطابق مع النموذج الإلهي المسطور في الكتاب أو الشاخص في الظواهر والآثار، وكل ذلك كان يقوي فيه الشعور بالاكتفاء.

النعرة القرآنية وبطولة الوجدان

سيرته في مطلع شبابه الأول بين القبائل كانت سيرة عملية تلتزم شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك لأن وازع البطولة فيه كان يأخذ صورة مادية سندها الفتوة والعنفوان، وكانت مظاهرها السلاح الذي يلازم حزامه - ربما ذاك شأن عرفي في تلك البيئة - لكن توظيف تلك الأسباب كان يومها أخلاقيا، شرعيا، أما حين تخطى مرحلة الشباب فقد صعّد من سلاح الروح، وتصلبت واشتدت الجراءة المعنوية، إذ أصبحت تشتحن في كل آن من بطاريات القرآن

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٦٨