لازم النورسي مفاعلة القرآن بفناء قلبي صريح، يترصد من خلال أنواره الطريق المؤدي إلى النجاة ويستلهم المرتكزات المقوية على الصمود في وجه الزعازع، فلذلك لبث يداخل القرآن وفي ذهنه هموم عصره ومفاتن زمانه، فالخطاب يستهدف فواعل الهدم النشطة على الساحة ويستهدف المصير الذي لا ينبغي إلا أن يكون بهيجا. فالدرس القرآني لم يعد خطاب الإرجاء وبث التعزية إلى ما بعد الفناء، بل لقد أخذ طابع المنهاج التثويري العام، فشعاراته من ثمة رفعت لتعلن عن مراهنتها ليس المرحلية ولكن الأبدية إطلاقا..
كما لم يكف النورسي عن إعادة تقويم الظواهر والسلوكات في إطار إرساء روح الخدمة على أسس جديدة تتجاوز عتبة الشكوى والتظلم ونعي الطالع. وفي هذا الإطار لم تعد الوقائع العرفية ترسو على قيمها المألوفة والمحسومة، بل لقد أضحت لها قيم جديدة وأضحى الضمير يتعاطى معها في ظل تلك القيم ويلابسها بموجبها.. فالعمل أو الوظيفة – مثلا - بات لذة، وتحول عن مفهومه القديم كونه واجبا أو شرفا أو ما إلى ذلك .. فالنفس تقبل على تأدية المأموريات لأنها تتشرب فيها ومن خلالها لذة ومتعة، وبالتالي سعادة وجودية.
بهذه الروح لبث النورسي يرسي قواعد التغيير على صعيد شمولي .. إذ كان على إدراك كبير بأن ظواهر الحياة ومعطياتها لا تتجدد ولا تأخذ مسارها التحولي البناء إلا من خلال إعادة مَفْهَمَة وتقييم تلك الظواهر والمعطيات، وإضفاء عليها المفهوم والدلالة التي تجعل العقول وبالتالي المواجد تتجدد وتنصرف تلقائيا وبصورة طبيعية ضمن السياق التجديدي لتلك الدلالة..
فالغاية القصوى كانت تأصيلية، من هنا كان على منظومة المعاني أن تنصهر من جديد في فرن القرآن النوراني، لتكتسب قابلية التجدد والحياة في زمن طغت عليه الحركة الفاعلة والمنفعلة، مما أكثر ضحاياه.
القوامة الرجولية والرؤية التجريدية