تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرأي الأول: أن الإعجاز النفسي هو الأول بين وجوه الإعجاز، صرح بذلك محمد فريد وجدي (ت 1373هـ/1954م) بعد أن رد القول بأن وجه الإعجاز في البلاغة، بقوله: "وإننا وإن كنا نعتقد أن القرآن قد بلغ الغاية من هذه الوجهة إلا أننا نرى أنها ليست هي الجهة الوحيدة لإعجازه، بل ولا هي أكثر جهات إعجازه سلطاناً على النفس، فإن للبلاغة على الشعور الإنساني تسلطاً محدوداً لا يتعدى حد الإعجاب بالكلام والإقبال عليه، ثم يأخذ هذا الإعجاب والإقبال في الضعف شيئاً فشيئاً بتكرار سماعه، حتى تستأنس به النفس فلا يعود يحدث فيها ما كان يحدثه في مبدأ توارده عليها، وليس هذا شأن القرآن فإنه قد ثبت أن تكرار تلاوته تزيده تأثيراً، وتسلطاً على النفس والمدارك، فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجال آخر يكفي لتعليل ذلك السلطان البعيد المدى الذي كان للقرآن على عقول الآخذين به"(1)، ثم انتقل إلى عرض رأيه بقوله: "لما كان القرآن روحاً من أمر الله، فلا جرم كانت له روحانية خاصة، هي عندنا جهة إعجازه، والسبب الأكبر في انقطاع الإنس والجن عن محاكاة أقصر سورة من سوره، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه، وناهيك بروحانية الكلام الإلهي، نعم إن جهة إعجاز هذا الكتاب الإلهي الأقدس هي تلك الروحانية العالية التي قلبت شكل العالم وأكسبت تلك الطائفة القليلة العدد خلافة الله في أرضه، وأرغمت لهم معاطس الجبابرة والقساورة، ووطأت لهم عروش الأكاسرة والقياصرة حتى صاروا ملوك الملوك وإخوان الملائكة، في مدة لا يصعب عد سنيها على الأصابع (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أمْرِهِ عَلَى منْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) الآية 15 من سورة غافر. لا مشاحة في أن القرآن فصيح قد أخرس بفصاحته فرسان البلاغة وقادة الخطابة وسادات القوافي وملوك البيان، وهو حكيم بهر سماسرة الحكمة والفلسفة، وأدهش أساطين

(1) - محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، 7/677 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٦٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٦٤٧