هذه العبارات والحوادث وكثير غيرها، تدل دلالة واضحة على عميق الأثر الذي تتركه الآيات في نفس قارئها وسامعها، وأنه أمر يمكن حصوله مع المسلم وغير المسلم، بل قد يكون سببا لإسلامه واهتدائه، وأن في القرآن سراً عظيماً يدل على أنه كلام الله المعجز "يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداءً، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها، إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن، يشعر أن هناك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هناك عنصراً ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن، يدركه بعض الناس واضحاً، ويدركه بعض الناس غامضاً، لكنه على كل حال موجود، هذا العنصر الذي ينسكب في الحس يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها؟ أهو المعنى الكامن فيها؟ أهو الصور والظلال التي تشعها؟ أهو الإيقاع الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟ أم إنها هي، وشئ غيرها غير محدود، ذلك سر مودع في كل نص قرآني يشعر به كل من يواجه هذا القرآن ابتداءً"(1).
المبحث الثالث
موقع الإعجاز النفسي بين وجوه الإعجاز
الذين ذكروا هذا الوجه من وجوه الإعجاز كانوا متفاوتين في تحديد موقعه بين وجوه الإعجاز الأخرى. فمنهم من عده وجه الإعجاز الأول، ومنهم من عده وجهاً مستقلاً من وجوه الإعجاز، ومنهم من رآه تابعاً لأحد وجوه الإعجاز الأخرى أو مضمناً فيه، وفيما يلي ذكر وتبيين هذه الآراء، ثم محاولة الترجيح بينها أو الاختيار منها.
(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، 6/3399.